الصفحة 57 من 81

وكذا روى بإسناده عن عبد بن حميد يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: قدم علينا أحمد بن حنبل ههنا، فقام سنتين إلا شيئًا، فقلت له: يا أبا عبد الله، خذ هذا الشئ فانتفع به فإن أرضنا ليست بأرض متجر ولا مكسب، وأرانا عبد الرزاق كفه ومدها فيها دنانير، قال أحمد: أنا بخير، ولم يقبل مني [1] .

وروى أيضًا عن علي بن الجهم قال: كان لنا جار فأخرج إلينا كتابًا، فقال: أتعرفون، هذا الخط؟ قلنا: نعم، هذا خط أحمد بن حنبل، فقلنا له: كيف كتب ذلك؟ قال: كنا بمكة مقيمين عند سفيان بن عيينة، فقصدنا أحمد بن حنبل أيامًا فلم نره، ثم جئنا إليه، لنسأل عنه، فقال لنا أهل الدار التي هو فيها، هو في ذلك البيت، فجئنا إليه والباب مردود عليه، وإذا عليه خلقان، فقلنا له، يا أبا عبد الله، ما خبرك؟ لم نرك منذ أيام، فقال: سرقت ثيابي، فقلت له: معي دنانير، فإن شئت خذ قرضًا وإن شئت صلة، فأبى أن يفعل، فقلت: تكتب لي بأخذه؟ قال: نعم، فأخرجت دينارًا فأبى أن يأخذه، وقال: اشتر لي ثوبًا واقطعه بنصفين، فأومى أنه يأتزر بنصف، ويرتدي بالنصف الآخر، وقال: جئني ببقيته، ففعلت وجئت بورق وكاغد فكتب، لي فهذا خطه [2] .

وبهذه النفس الأبية وبكدّ العيش وضنك المعيشة متوكلًا على الله، خرج أحمد في سبيله يجوب البراري والقفار، يفترش الأرض الجرداء ويرتدي برداء السماء، يتوسد باللبن والأحجار، يلتقي المشايخ ويتلقى منهم الحديث، حتى صار إمامًا يقتدى به، وحجة يشار إليه بالبنان، ويرحل إليه للأخذ والسماع [3] .

وقد حصلت له بهذه الرحلات الكثيرة ذخيرة كبيرة ومجموعة كثيرة من الأحاديث والآثار، فقال عبد الله بن أحمد: قال لي أبو زرعة: أبوك يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب، وقد ذكر ذلك الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء، ثم قال: فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله، وكانوا يعدون في ذلك المكرر والأثر وفتوى التابعي وما فسر، وإلا فالمتون المرفوعات القوية لا تبلغ عشر معشار ذلك [4] .

(1) تذهيب تهذيب الكمال (1/ 192) .

(2) حلية الاولياء (9/ 179) .

(3) انظر: مقدمة كتاب العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله (1/ 51) .

(4) سير أعلام النبلاء (11/ 187) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت