وبعد ذلك ابتدأ الإمام أحمد في طلب الحديث من شيوخ بغداد فكان أول من كتب عنه الحديث، أبو يوسف، قال: وطلبت الحديث وأنا ابن ست عشرة سنة، ومات هشيم وأنا ابن عشرين سنة، وأول سماعي من هشيم سنة تسع وتسعين ومائة.
ثم رحل أحمد في طلب الحديث إلى الكوفة، والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام، والجزيرة وكتب عن علماء كل بلد [1] .
وهكذا كانت الأم العظيمة تحثّه على العلم وتساعده عليه، رغم فقرهم، تتاجر به مع ربها عز وجل، وكان هو رضي الله عنه يدرك ما بهم من حال فيعمل جهده على توفير ما يقدر على توفيره من مال ولو أداه ذلك إلى مضاعفة الجهد وضنى الجسم، قال عبد الله بن أحمد: خرج أبي إلى طوس ماشيًا وخرج إلى اليمن ماشيًا ليلقى عبد الرزاق الصنعاني، وقال أبي: ما كتبنا عن عبد الرزاق من حفظه شيئًا إلا المجلس الأول، وذلك أنا دخلنا بالليل فوجدناه في موضع جالسًا، فأملى علينا سبعين حديثًا، ثم التفت إلى القوم فقال: لولا هذا ما حدثتكم يعني أبي [2] ، ولعله لمس في أحمد أدبًا وسمتًا حملاه على هذا القول والفعل، والله أعلم.
وربما كانت تمنع أحمد قلة ذات اليد هذه من الرحلة، ويصدّه ضيق المعيشة عنها مع رغبته الشديدة فيها، قال رحمه الله: ولو كان عندي خمسون درهمًا كنت خرجت إلى جريرابن عبد الحميد إلى الري، فخرج بعض أصحابنا، ولم يمكني الخروج لأنه لم يكن عندي، وقال - مرة: لو كانت عندي نفقة لرحلت إلى يحيى بن يحيى يعني الأندلسي، بالأندلس [3] .
وقد لقي الإمام في رحلاته تلك عناء كثيرًا، فلم تكن الطرق معبّدة ولا المراكب مهيّأة، وإن كانت، فخلو اليد من الدراهم يحول دون الركوب على الرواحل والمراكب، ثم إنه طبع على عزّة النفس فكان لا يقبل من أحد هبة ولا عطيّة، ويترفع عن الجوائز والأعطيات ويرضى لنفسه بالكسب الحلال بعرق الجبين، فكان يكري نفسه مع الجمالين، روى أبو نعيم في الحلية عن إسحاق بن راهويه يقول: لما خرج أحمد بن حنبل إلى عبد الرزاق، انقطعت به النفقة فأكرى نفسه من الجمالين إلى أن وافى صنعاء، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المؤاساة، فلم يقبل من أحد شيئًا.
(1) انظر: مقدمة العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله (1/ 51) .
(2) تاريخ مدينة دمشق (36/ 173، 174) .
(3) سير أعلام النبلاء (10/ 514) .