وقال: أنا أنفق على ولدي وأجيئهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا فما أراهم يفلحون، وهذا أحمد بن حنبل غلام يتيم انظر كيف يخرج؟ وجعل يعجب [1] .
لقد بلغ أحمد في الأدب - بفضل تربية أمّه - هذا المبلغ الذي يحسده عليه الناس؛ إذ جمع منه مالم يجمعه صغير في كنف والديه، وكان وهو صبي محل ثقة جميع من يعرفونه من الرجال والنساء.
غرست صفيّة في ولدها أحمد محبّة العلم، حتى إن هذا الغراس ليقوى في نفسه ويشتدّ فيغلب عاطفتها هي وهي من غرسته!
ذكر الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وأدب السامع عن تبكيره في طلب العلم، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل رحمهم الله قال: سمعت أبي يقول:"كنت ربما أردت البكور إلى الحديث, فتأخذ أمي ثيابي وتقول: حتى يؤذن الناس, حتى يصبحوا, وكنت ربما بكرت إلى مجلس أبي بكر ابن عياش وغيره" [2] .
لقد كانت أمه تشجعه على طلب العلم والسعي إليه، لكنها إذا رأته اشتدّ في أخذ نفسه بما يرهقها رشدته ودعته إلى الرفق بنفسه.
لقد بذلت أمّ أحمد الكثير من أجله، وقدمت لابنها راضية كلّ ما يضمن له كامل الراحة لأجل أن يطلب العلم ويتوفّر عليه، وإذا عرفنا أن الإمام أحمد لم يتزوج قبل سنّ الأربعين أدركنا أن السبب في ذلك هو ما هيأته له أمه من سبيل العناية وغامر الاهتمام [3] .
وكان والد أحمد قد ترك له بيتًا في بغداد يسكنه وبيتًا آخر يغل غلة ضئيلة، فعاش رحمه الله فقرًا شديدًا في أوّل حياته، وعليه نشأ، ومنه تعلّم، وبه مع العلم والفهم تزهّد.
ولئن ولد أستاذه الشافعي بغزة ونشأ بمكة، فقد ولد أحمد ببغداد، وبها نشأ، حتى إذا أتم حفظ القرآن وعلم اللغة اتجه إلى الديوان ليتمرّن على التحرير والكتابة، ولقد قال في ذلك: كنت وأنا غليم أختلف إلى الكتاب، ثم أختلف إلى الديوان وأنا ابن أربع عشرة سنة [4] .
(1) مناقب أحمد بن حنبل (31) لابن الجوزي.
(2) الجامع لأخلاق الراوي وأدب السامع (1/ 151) .
(3) انظر: الأئمة الأربعة (14، 15) .
(4) مناقب أحمد بن حنبل (31) لابن الجوزي.