الصفحة 54 من 81

لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ، وقال عز وجل: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} .

فهذه الأجور العامة العظيمة تكتب لها إن شاء الله، إلى جوار الفضل الثابت في الأحاديث الصحيحة بشأن ثواب كافل اليتيم فالأمّ نعم الكافل، وعسى الله أن يرزقها ذلك الفضل الخاصّ الذي وردت به هذه الأحاديث الضعيفة التي يتعلّق بها ويرجوها كثيرٌ من الأرامل في عملهنّ، عسى ذلك أن يتحقق لهنّ، نعم فلهنّ أن يرجين ذلك لكن من غير اعتقاد ثبوته عنه صلى الله عليه وسلم.

تولت أم أحمد رعايته بعد وفاة أبيه وربته تربية حسنة، يغمرها حب جمّ وعطف بالغ، ولندع أحمد يحك لنا بنفسه بعض دلائل ذلك فيقول كما ينقل عنه ابنه صالح: كانت أمي قد ثقبت أذني، قال أحمد: فكانت أمي رحمة الله عليها تصير فيهما حبتين من لؤلؤ، فلما ترعرعت، نزعتهما، فدفعتهما إليّ فبعتهما بنحو من ثلاثين درهمًا [1] .

إنّه نوع من الدّلال المعبّر عن فرط الحب والحنان.

وكانت أمّ أحمد رحمة الله عليها حريصة على تعليمه العلم رغم ضيق ذات يدها، فكانت ترسله في الكتّاب، ليتعلّم الخط ويحفظ القرآن.

وكانت آثار النجابة والفضل والصلاح تبدو في أحمد من صغره، فقد روى ابن الجوزي بإسناده عن أبي عفيف قال: كان أحمد في الكتاب معنا وهو غليم نعرف فضله، وكان الخليفة ينزل بالرقة ومعه الجند، فيكتب أولئك الجند إلى نسائهم بأحوالهم، فلا يرضى النساء بغير أحمد يقرأ لهنّ ما كتب به أزواجهن إليهنّ، فكنّ يبعثن إلى معلم المكتب: ابعث إلينا بأحمد بن حنبل، وذلك ليقرأ لهم وليكتب لهم جواب كتبهم، فربما أملوا عليه الشيء من المنكر، فلا يكتبه لهم.

وقال أبو سراج ابن خزيمة: فكان إذا دخل إليهن لا يرفع رأسه ينظر إليهن، فقال أبي -وذكره-، فجعل يعجب من أدبه وحسن طريقته.

(1) انظر: مقدمة العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله (1/ 51) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت