منها سنّ الزوجة، وغناها أو فقرها، وأعمار الأولاد، ووضع المتقدم إليها الديني والاجتماعي، فقد يتقدم إليها قريب أو تقيّ يحسن معاملة الأولاد.
ولذلك نترك للزوجة التي فقدت رجلها أن تتصرّف بما يحقّق لها ولأولادها المستقبل الأطيب.
عندما قتل جعفر الطيّار في معركة مؤتة، وكان شابًّا حول الثلاثين، تاركًا زوجته وأولاده لم تمض فترة طويلة حتى تزوجت المرأة أبا بكر الصديق، وحسنًا فعلت، وقد رعى رضي الله عنه أولادَها خير رعاية.
ويحكي التاريخ أن عاتكة بنت زيد، وكانت صحابية أديبة ذات جمال وكمال ورأي، قتل زوجها عبد الله بن أبي بكر، فتزوجها من بعده عمر بن الخطاب، فلما قتل عمر رضى الله عنه تزوجها الزبير بن العوام، فلما قتل الزبير بوادي السباع في الفتنة الكبرى تزوجها الحسين بن عليّ رضى الله عنه، فلما قتل بكربلاء كانت أول من رفع خدّه عن التراب، ثم ترّملت بعده فلم يسع إليها أحد.
ومن الطرائف أنّ عبد الله بن عمر كان يقول: من أراد الاستشهاد فليتزوج عاتكة، لقد قتل أزواجُها كلُّهم، ولا علاقة لها بهذه المصاير، وإنما هي أقدار، وتحفظ لها كتب الأدب هذه الأبيات في رثاء أول زوج لها، عبد الله بن أبي بكر.
آليت لا تنفك عيني حزينة عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فلله عينًا من رأى مثله فتى أكر وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا أشرعت فيه الأسنة خاضها إلى الموت حتى يترك الموت أحمرا
إنها عاطفة صادقة بيد أنها موقوتة، وللحياة تيّارها الدافق المطرد، والإسلام لا يقوم جندلًا أمام غرائز الفطرة وطبائع الرجال والنساء.
المشكلة أن الناس يريدون إخضاع الدّين لتقاليدهم الخاصة، ولو كانت هذه التقاليد في عكس اتجاه السلف الأول وفطرتهم السليمة [1] .
إنّ الأحاديث الواردة في فضل الأرملة التي تعزف عن الزواج وتتوفّر على صون أيتامها ضعيفة ولا تثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وليس معنى ذلك انتفاء الفضل عن عملها فأجر عمل الصالحات والصبر على الضرّاء ثابت عامّ في جميع المؤمنين، كما قال الله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ
(1) قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة (119،120) ، للشيخ محمد الغزالي، بتصرف.