إذن تشابهت ظروف حياة الأستاذ والتلميذ أشد التشابه وأقواه، ولنرجع مع حياة أحمد خطوة إلى الوراء:
كان محمد بن حنبل -والد الإمام أحمد- أحد قادة الجيش في مدينة مرو، فقدم إلى بغداد، وكان شابًّا حول الثلاثين، وكان تزوج من صفية بنت ميمونة بنت عبدالملك كما قال أبو عبد الله ابن بطة: كانت أم أبي عبد الله أحمد بن حنبل شيبانية، واسمها صفية بنت ميمونة بنت عبد الملك الشيباني من بني عامر، كان أبوه نزل بهم وتزوج بها، وكان جدها عبد الملك بن سوادة بن هند الشيباني من وجوه بني شيبان، وكان ينزل عليه قبائل العرب فيضيفهم [1] .
وقد توفّي محمد وله من العمر بضع وثلاثون سنة، وترك زوجه وكانت سنها دون سنّه [2] ، وكان أحمد إذ ذاك صغيرًا لا يدرك شيئًا، فقد سئل عن أبيه وجدّه: هل رآهما؟ فنفى ذلك، كم كانت سنه حينئذ؟ يرجح البعض أنه كان يبلغ ثلاث سنوات.
ويحدّثنا أحمد عن ذلك فيقول: وجيء بي حملًا من مرو، وتوفي أبي محمد بن حنبل وله ثلاثون سنة، فوليتني أمي [3] .
لم ترغب صفية بالزواج بعد وفاة زوجها، واختارت أن تتوفّر على صيانة ولدها أحمد تملأ عليه حياته حنانًا وتغمرها أنسًا.
ويجدر بنا أن نشير هنا إلى شيء يتعلّق بهذه النقطة التي تكررت معنا مرارًا، ألا وهي عزوف الأرملة عن الزواج وتوفُّرها على صون أيتامها، فلا شك أنّ تربية الأولاد عبء مشترك يحمله الزوجان معًا، وإنه لقدَر طيب أن يشبّ الأولاد في حضانة أبويهم مستمتعين بدفء العاطفة وحسن الكفالة.
لكن الريح لا تهبّ رخاء دائمًا، وطبيعة الحياة الابتلاء بالخير والشر، فقد يفقد الأولاد الكافل الحاني، فتبقى الأم أيمًا والأولاد يتامى، وتوفُّر الأم على صون أولادها ـ والحالة هذه ـ من أجلّ القربات التي تبلغها أعلى الدرجات، إن شاء الله تعالى، والجميلة التي تهمل زينتها انشغالًا بأولادها حتى يتغير وجهها امرأة مقدورة الفضل مرموقة المكانة، لكننا نتساءل: أكلّ النساء مطالبات بهذه التضحية؟ أظن أن هناك ملابسات كثيرة تحدد موقف الأيم ومصير يتاماها،
(1) مناقب الإمام أحمد (21) لابن الجوزي.
(2) انظر: الأئمة الأربعة (14، 15) .
(3) انظر: مقدمة العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله (1/ 51) ، وصي الله بن محمد عباس.