وقاطعته بقسوة حتى حينما لجأ إلى مكان يبعد عنها أكثر من مائتي ميل، هذه القرية كانت خاضعة له تماما في ذلك الحين. وقد كان يحق له حسب قوانين الحرب أن يثأر منها للأعمال الوحشية التي أنزلتها به وبقومه. ولكن أي معاملة تلك التي قابلهم بها؟ لقد فاض قلب محمد بفطرة الحب والرحمة حين صرح قائلا:
"لا تثريب عليكم اليوم. إذهبوا فأنتم الطلقاء". [1]
العفو عن ألد الأعداء:
لقد كان أحد الأهداف الرئيسية التي أجاز بسببها الحرب دفاعا عن النفس هو توحيد البشر. وحينما تحقق هذا الهدف عفى عن ألد أعدائه حتى أولئك الذين قتلوا عمه الحبيب حمزة وانتهكوا حرمة جسده ومثلوا به فشقوه ولاكوا جزء من كبده.
النظرية تمتزج بالتطبيق:
إن مبدأ الأخوة العالمية [2] وعقيدة وتعاليم المساواة بين البشر التي أعلنها ونادى بها تمثل مساهمة عظيمة جدا من محمد للارتقاء الاجتماعي للإنسانية. إن جميع الأديان الكبرى دعت أيضا إلى نفس العقيدة والتعاليم ولكن نبي الإسلام وضع هذه النظرية في التطبيق الواقعي. وسوف يُعترف بقيمة هذه العقيدة والتعاليم [3] بعد فترة، ربما حين يستيقظ الضمير العالمي
(1) أنظر كتاب:"زاد المعاد في هدي خير العباد"لابن قيم الجوزية. طبعة 1400 هـ - 1980 بعد المسيح. نشر المكتبة التوفيقية بالحسين م1 حـ2 ص 165. (المترجم)
(2) يقول الله تبارك وتعالى:"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" (الحجرات: 10) ويقول تعالى:"وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا" (آل عمران: 103) ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم"المسلم أخ المسلم"ويقول أيضا"وكونوا عباد الله إخوانا" (الأحاديث بمعانيها) .
(3) يقول الله سبحانه وتعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (الحجرات: 13) ويقول تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً" (النساء: 1) ويقول صلى الله عليه وسلم:"الناس سواسية كأسنان المشط. ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا:"كلكم لآدم وآدم من تراب"وقال صلى الله عليه وسلم أيضا:"إن الله لا ينظر إلى صوركم وألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم" (الأحاديث بمعانيها) (المترجم) .