وحتى أولئك الذين لم يؤمنوا برسالته اضطروا لأن يقولوا:"يا محمد إننا لا نكذبك ولكننا نكفر بالذي أعطاك كتابا وأوحى إليك بالرسالة". [1]
وقد ظنوا أن به جنة. وحاولوا علاجه بالعنف. ولكن أحسنهم طريقة رأوا نورا جديدا أشرق عليه وأسرعوا في طلب هذا التنوير.
إن الميزة البارزة في سيرة نبي الإسلام أن عشيرته الأقربين كابن عمه الحبيب وأصحابه الحميمين الذين عرفوه معرفة وثيقة جدا تشربوا بالكامل بصدق رسالته واقتنعوا بأصالة الوحي الإلهي الذي جاء به.
يقول سيد أمير علي في كتابه"روح الإسلام":
"لو أن هؤلاء الرجال والنساء والشرفاء والعقلاء، ومن المؤكد أنهم لم يكونوا أقل تعليما وثقافة من صيادي السمك بالجليل [2] ، شعروا بأدنى إشارة إلى رغبة المعلم [3] الدنيوية"
(1) يصدق ذلك ما جاء في القرآن من قوله تبارك وتعالى:"قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ" (الأنعام: 33)
(2) يشير المؤلف هنا إلى تلاميذ المسيح حسب ما جاء في أناجيل النصارى المعتمدة. وما يثير الدهشة هو أن النصارى يؤمنون بأن مؤلفي الأناجيل هم من هؤلاء الصيادين البسطاء. وهو الأمر الذي ينفيه العلم كما ينفيه ما تضمنته بعض تلك الأناجيل من أساليب وثقافة بعيدة كل البعد عن صيادي الجليل. ولم يكن باستطاعة أحد تلاميذ المسيح (وكلهم يهود) بل ولم يكن مسموحا لهم الاطلاع على هذه الثقافات والمقالات الوثنية التي وردت في الأناجيل وخاصة في إنجيل يوحنا. ونحن نستبعد نسبة أي من هذه الأناجيل لمؤلفيها المفترضين الذين تقترن أسماؤهم بها. هذا بصرف النظر عن كون المؤلف المفترض أحد تلاميذ المسيح حقا كما يزعم في متى وإلى درجة أقل في يوحنا، أم لا، كما نميل إلى القول بأن أحدا منهم لم يعلم الكتابة سوى متى العشار (جاب الضرائب) استنادا لما روي عن ذلك في الأناجيل مع الافتقار إلى الدليل وفقدان العصمة ووقوع الخطأ في جميع أسفار الكتاب المقدس. راجع كتاب هل الكتاب المقدس كلام الله؟ لأحمد ديدات. ومقال بعنوان"خمسون ألف خطأ في الكتاب المقدس؟"نشر في مجلة آويك المسيحية في 8/ 9 / 1957 من منشورات دار المختار الإسلامي.
أما الصحابة الكرام رضوان الله عليهم فقد مدحهم المولى سبحانه وتعالى في عدة مواضع من كتابه العزيز وشهد لهم بالإيمان وبرضى الله عنهم. وكذلك شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالفضل والخيرية في أحاديثه.
وهذا كله خلاف وصف الكتاب المقدس لأتباع أنبياء بني إسرائيل بالكفر وقلة الإيمان وعدم الفطنة وسوء الخلق والجهل. هذا وقد سطر التاريخ بأحرف من نور سير هؤلاء الصحابة كتراث خالد للعالم كله ومعالم للهداية الإنسانية. (المترجم)
(3) يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد أثبت الله في كتابه المبين صفة التعليم لسيد المرسلين وأقرها له وجعلها مهمة مشروعة من مهام رسالته هذا بعكس ما يردده بعض الجهلاء من أقاويل تزعم أن دوره كان مقتصرا على تبليغ الرسالة في محاولة منهم لنفي أي دور أو مهمة تعليمية لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم المعلم الأول للبشرية وهاديها ومرشدها وخير مبعوث وأنفعهم لها وأرحمهم بها ويقول الله تبارك وتعالى في ذلك:
"هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ" (الجمعة: 2) (المترجم)