الصفحة 21 من 104

وماله. كما يفترض في المسلم أن يتجنّب النزعة الاستهلاكية قدر الإمكان. وإن كان هذا يختلف من شخص لآخر، بحسب يساره المادي وبقدر زهده في الدنيا ومباهجها، إلا أن هناك حدودًا لذلك على كل حال ينبغي مراعاتها.

إنّ الإنسان أهم بكثير من أي نموذج أو نظرية أو تفسير، هذا ما اكتشفه علماء الإقتصاد أخيرًا، فالإنسان هو الذي يقرِّر مستوى رفاهه ودرجة ثرائه، وكل الأمر متوقف على قراره وسلوكه، فبامكانه إن أراد أن يكون معتدل الاستهلاك فيصبح حجم الوفر لديه بما يمكّنه أن يصبح ثريًا، وبامكانه إن كان نهم الاستهلاك كماهو حال الفرد في أغلب المجتمع الغربي أن يأكل ثروته.

وبعد أن كان علماء الاقتصاد مصرّين على أن الدولة وسياساتها هي العنصر الأهم في العملية الانتاجية عادوا ليقرِّروا أن المستهلك والمنتج هم أسياد اللعبة. فيوم يربّي المجتمع عادات الاستهلاك ويهذبها ويوجهّها، فإن عملية ترشيد واسعة ستؤدي إلى انتفاع هذا المجتمع بخيراته على أكمل وجه.

وهكذا فمفتاح حلّ الأزمات الحقيقي إنما يكمن في التربية الاستهلاكية، وهو مفهوم حديث نسبيًا على المجتمعات الغربية التي جعلت من الحرية المطلقة بلا ضوابط إلهًا يعبد من دون الله. فلقد كان هناك من يعتبر هذا النمط من التربية اعتداء غير مبرّر على حق المستهلك في أن يستهلك ما يشاء، وقت ما يشاء وكيفما يشاء. ولكن اكتشف العديد من المجتمعات أن تدليل المستهلك إلى هذا الحد باهظ الثمن، وأنها إذا استطاعت أن تلبيه اليوم، فقد لا تستطيع ذلك في الغد.

ولذلك عادت مفردات التدبير والتوفير وحسن التصرف في المال، تشق طريقها إلى الدراسات الاقتصادية الحديثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت