والنوع الثاني: قياس اصل على اصل بجامع الحاجة فقط، من دون وجود اصل كلي اقرب يجمع بينهما, وقد ذكر لهذا النوع مثال الاجارة فقال (الاجارة جازت خارجة عن الاقيسة التي سميناها جزئية في القسم الاول، فان مقابلة العوض الموجود بالعوض المعدوم خارج عن القياس المرعي في المعاوضات، فان قياسها الا يتقابل الا موجودان، ولكن احتمل ذلك في الاجارة لمكان الحاجة، وقد ذكرنا ان الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق احاد الاشخاص) [1] .
ومعنى هذا ان الاجارة، قاعدة او اصل اجيزت خارجة عن قياس عقود المعاوضات، لان قياس عقود المعاوضات ان لا يتقابل الا موجودان، اي العوضان الثمن والمبيع، في حين ان الاجارة مقابلة موجود بمعدوم. ولكن اجيز ذلك في الاجارة لحاجة الناس اليها، والحاجة العامة هي اصل و تنزل منزلة الضرورة، واشتراط مقابلة العوضان في عقود المعاوضات هو كالتتمة او التكملة التي يجوز اسقاطها اذا عادت على اصل الحاجة بالإبطال.
فالإجارة هنا جازت قياسا على الحاجة فقط، اي لمجرد انها تنتمي الى المصالح الحاجيه، من دون وجود قاعدة كلية اقرب تجمعها مع عقود المعاوضات.
ومع ذلك فانه يلاحظ ان الحاجة التي ترجع اليها الاجارة هي الحاجة العامة وليست حاجة الفرد، وهذا يعني انه لا يجوز العمل بالمصلحة التي لا نص فيها بمجرد كونها من المصالح الحاجيه، بل يشترط ايضا ان ترجع هذه المصلحة الى الحاجة العامة للناس، فاذا لم تكن المصلحة الحاجيه مما يدخل في الحاجة العامة، فانه لا يجوز العمل بها الا بوجود النص المعين.
منهج الحكم على المصلحة عند الامام الجويني:
(1) البرهان ج 2 ص 79, 80.