الصفحة 38 من 104

عام من الشرع، ولم يكتفوا بكونها فاحشة او جناية تستوجب العقوبة، ويبين الامام الغزالي ذلك فيقول (فإن قيل فبأي طريق بلغ الصحابة حد الشرب الى ثمانين، فان كان حد الشرب مقدرا، فكيف زادوا بالمصلحة، وان لم يكن مقدرا وكان تعزيرا فلم افتقروا الى الشبه بحد القذف؟ قلنا: الصحيح انه لم يكن مقدرا، لكن ضرب الشارب في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنعال وأطراف الثياب، فقدر ذلك على سبيل التعديل والتقويم بأربعين، فرأوا المصلحة في الزيادة فزادوا، والتعزيرات مفوضة الى راي الائمة، فكأنه ثبت الاجماع انهم امروا بمراعاة المصلحة وقيل لهم، اعملوا بما رأيتموه اصوب، بعد ان صدرت الجناية الموجبة للعقوبة، ومع هذا فلم يريدوا الزيادة على تعزير رسول الله صلى الله عليه وسلم الا بتقريب من منصوصات الشرع، فرأوا الشرب مظنة القذف، لان من سكر هذي ومن هذي افترى، وراو الشرع يقيم مظنة الشيء مقام نفس الشيء، كما اقام النوم مقام الحدث، واقام الوطء مقام شغل الرحم، والبلوغ مقام نفس العقل، لان هذه الاسباب مظان للمعاني) [1] .

ومن هذه النصوص يتضح ان حد الشرب مصلحة ترجع الى قاعدة كلية من قواعد الشرع، وهي قاعدة اقامة مظنة الشيء مقامه، لان الشرب مظنة للهذيان والقذف، فأقيم مقام القذف في الحكم، واستوجب بالتالي نفس الحكم وهو الجلد ثمانين جلدة.

وقاعدة اقامة مظنة الشيء مقامه هي قاعدة شرعية لم ينص عليها دليل معين، ولكنها مأخوذة من جملة نصوص وادلة جزئية، مثل النصوصالدالة على اقامة النوم الذي هو مظنة خروج الحدث، مقام الحدث في وجوب الوضوء، واقامة البلوغ الذي هو مظنة العقل مقام العقل في التكليف بأحكام الشرع، وتغييب الحشفة الذي هو مظنة نزول الماء مقام الانزال في وجوب الغسل، والوطء الذي هو مظنة شغل الرحم مقام شغل

(1) المستصفى، ج 1،،ص 648, 649.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت