وهذه المشقة ليس لها مقدار محدد بل هي مراتب لا تنحصر وتختلف باختلاف الناس واحوالهم.
لذلك عمد العلماء الى وضع اوصاف ظاهرة منضبطة تشتمل على هذه المصالح ويؤدي ربط الاحكام بها الى تحقيق المصالح الاصلية المقصودة من الاحكام، بحيث يسهل ربط الاحكام بها من ناحية، لظهورها وانضباطها، وتكون مظنة لتحقيق المصالح والمقاصد التي شرعت لأجلها تلك الاحكام من ناحية اخرى. وسميت هذه الاوصاف عندهم بالعلل، فالعلة اذا هي الوصف الظاهر المنضبط الذي يؤدي بناء الحكم عليه الى تحقيق المصلحة التي شرع لأجلها هذا الحكم.
مثال ذلك:
1 المصلحة او الحكمة المقصودة من قصر الصلاة للمسافر هي التخفيف ورفع المشقة، ولكن لما كانت المشقة غير منضبطة في التقدير ولها مراتب لا تنحصر تختلف باختلاف الناس واختلاف احوالهم، فإنها لم تجعل علة لقصر الصلاة لعدم انضباطها، وجعلت علة القصر هي السفر بدلا من المشقة، لان السفر من ناحية وصف منضبط يمكن ربط الحكم به وجودا وعدما، كما انه من ناحية مظنة لتحقيق المصلحة او الحكمة التي قصدها الشارع من الحكم، لان السفر يشتمل على المشقة وهو مظنة لها، وربط القصر به فيه تخفيف ورفع للمشقة
2 -حكمة الشفعة والمصلحة المقصودة منها دفع الضرر عن الشريك او الجار، ولكن الضرر لا ينضبط ويصعب التحقق من وجوده، ولذلك فان الحكم بالشفعة لم يبنى على الضرر، وانما بني على وصف منضبط من شان بناء الحكم عليه وربطه به، تحقيق المصلحة المقصودة من تشريع الشفعة وهي دفع الضرر، وهذا الوصف هو الجوار او الشراكة، فالجوار او الشراكة اوصاف منضبطة يمكن بناء الحكم عليها وربطه بها من ناحية، ومن ناحية اخرى هي مظنة للمصلحة المقصودة من الحكم، وهي دفع الضرر.