الصفحة 10 من 53

الحَب، والمؤمن من الكافر، {وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} كإخراج البيض من الدجاج، والكافر من المؤمن، {وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .

الآية 28: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} : يَنهَى اللهُ المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء - بالمَحبة والتأييد والمَعونة والنُصرة - على إخوانهم المؤمنين، {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} : أي ومَن يَتولهم {فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} : أي فاللهُ تعالى برِيءٌ منه - ومَن بَرِئَ اللهُ منه فقد هَلك - {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} : يعني إلا أن تكونوا ضِعافًا خائفين، تعيشون تحت سُلطانهم، فقد رَخَّصَ اللهُ لكم في أن تُعطوهم (حلاوة لسانكم) بكلمات المُجامَلة والمُلاطفة، مع مُخالفتهم بقلوبكم وأعمالكم، فتَتَّقوا بذلك شَرَّهُم وأذاهم حتى تَقوى شَوكتكم، {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} في أن تتخذوا أعداءه أولياءَ ضد أوليائه، فاتقوه وخافوهُ {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} ، فيُجازي كُلاًّ بعمله.

الآية 29: {قُلْ} للمؤمنين: {إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ} من مَحبة الكافرين ونُصرتهم {أَوْ تُبْدُوهُ} يعني أو تُظهِروا ذلك للناس: {يَعْلَمْهُ اللَّهُ} وسيحاسبكم عليه، {وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} : أي وعِلمُهُ تعالى مُحيطٌ بكل ما في السماوات وما في الأرض، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} : أي وله القدرة التامة على كل شيء.

? ورغم أنه كان مِن المُتوَقع - بعد أنْ ذكرَ تعالى عِلمَهُ الخاص (وهو عِلمه بما في الصدور) ، وبعد أن ذكرَ عِلمه العام (وهو عِلمه بجميع ما في السماوات والأرض) - أن يقول بعدها: (والله بكل شيء عليم) ، ولكنه سبحانه أرادَ إثبات صفة القدرة بعد إثباتِهِ لصفة العِلم، حتى يَكمُلَ بذلك تحذيرُهُ للعُصاة، فكأنه سبحانه أراد أن يقول: (ويُحذِّركم اللهُ نفسَه، فلا تتجرَّؤوا على عِصيانه ومُوالاةِ أعدائه: إذ إنه ما مِن معصية - خَفيةٍ كانت أو ظاهِرة - إلاَّ وهو مُطَّلِعٌ عليها، وقادرٌ على العقاب بها، وإنْ أنظرَ مَن أنظر، فإنه سبحانه يُمهِل، ثم يأخذ أخْذَ عزيزٍ مُقتدِر) .

? واعلم أنَّ قوله تعالى: {إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} ، فيهِ إرشادٌ إلى تطهير القلوب، واستحضار عِلم اللهِ تعالى بما فيها في كل وقت، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم: (إنّ اللهَ لا يَنظر إلى صوركم وأموالكم، ولكنْ ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ، فالقلب هو مَحلُّ نظر الرَبّ، فلذلك ينبغي أن يَستحي العبد أن يَرى اللهُ تعالى في قلبه أيَّ فِكْرٍ رديء، بل عليه أن يُشغِلَ فِكرَهُ فيما يُقربه إلى ربه (مِن نصيحةٍ يَنصحُ بها عباده، أو تدبُّر لآيةٍ من كِتابه، أو تفكُّر في عظمتِهِ تعالى ونِعَمِه، فيَستشعر مَثَلًا أنَّ عافيةَ اللهِ فضْل، وأن بلاءهُ عَدْل: إذ إنه لو عامله اللهُ بِعَدْلِه لأَهْلَكَهُ في الحال، قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} ، فبذلك يَشعر أنه لا يَستحق كل ما هو فيه من النِّعم بسبب مقابلته لِنِعَم اللهِ بالعِصيان،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت