فساعتَها ينطقُ قلبُهُ بكلمة: (الحمدُ لله) - التي تملأ الميزان - قبل أن يَنطق بها لسانه، وذلك على كل لحظة عافية هو لا يَستحقُّها.
الآية 30: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} : أي يَنتظرها لتُجزَى به، {وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ} تجده أيضًا في انتظارها، و {تَوَدُّ} أي تتمنى {لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا} أي زمنًا {بَعِيدًا} ، {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} فاستعدوا لذلك اليوم، وخافوا بَطشَ اللهِ وعقابه إن عصيتموه، {وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} : أي ومع شدَّة عقابه، فإنه سبحانه رءوفٌ بالعباد، إذ لم يُعاجلهم بالعقوبة، مع قدرته على ذلك.
الآية 31: {قُلْ} أيها الرسول: {إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ} حقًّا {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، فهل هناك شيء أفضل مِن مَحبة اللهِ تعالى لعبده، وغفرانه لذنوبه؟! فواللهِ لو أيْقنَ العبدُ ذلك، لكانَ حريصًا - كُلَّ الحِرص - على التَمَسُّك بسُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في أقواله (كالمُداومة على أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، وغير ذلك من الأذكار والأدعِيَة التي صَحَّتْ عنه صلى الله عليه وسلم) ، وكذلك الاقتداء به في أفعاله (كالصلاة كما كان يُصلي، والوضوء مثل وضوئه وغير ذلك) ، وكذلك التأدُّب بآدابه في الطعام والشراب وغير ذلك، وكذلك التخلق بأخلاقه (قدر المُستطاع) ، فقد كان صلى الله عليه وسلم لا يَغضب لنفسه، وإنما كان يَغضب إذا انتُهِكَ حَدٌّ مِن حدود الله.
? ويُلاحَظُ هنا أنّ اللهَ تعالى قال: {يُحْبِبْكُم} ، ولم يقل: (يُحِبُّكُم) ، وذلك لِيُوَضِّح لنا أنّ هذا الأمر يأتي بالتَدَرُّج، فكلما ازداد اتِّباعُك للنبي صلى الله عليه وسلم، كلما ازدادت مَحبة اللهِ تعالى لك، وقد قال الحسن البَصْرِيُّ - رحمه الله - عن هذه الآية: (ادَّعَى قومٌ أنهم يحبون الله، فأنزل اللهُ هذه الآية مِحْنَةً لهم - أي امتحانًا لهم - إن كانوا صادقين في حب اللهِ تعالى، فليَتَّبعوا سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم) ، فهذه الآية حاكمة على كل مَن ادَّعَى محبة اللهِ تعالى وهو ليس مُتَّبِعًا لسُنَّةِ نَبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وليسَ مُطِيعًا له في أمْرِهِ ونَهْيِه.
? واعلم أنّ هذا الاتباع شرطٌ من شروط قبول العمل (مِثل الإخلاص تمامًا) ، بحيث إنَّ العبد إذا فعل أمرًا مُبْتَدَعًا (لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه الكِرام مِن بعدِه) فإنّ ذلك العمل لا يَقبله اللهُ منه: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين: (مَن عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ) أي فهو مَردودٌ على صاحبه، وقد أخبر النبي صلَّى الله عليه وسلَّم - كما في صحيح مسلم - أنّ هناك أناسًا مِن أمته سوف يُطرَدون عن حَوضه يوم القيامة - رغم شدة الحر والعطش، ورغم حدوث الأمل لهم في النجاة بعدما رأوا الحَوض -