الصفحة 15 من 53

الآية 42: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ} - والمُراد بهذا الاصطفاء أنه سبحانه اختارها لطاعته، وفرَّغَها لعبادتِه (ولذلك خَصَّها بأنواع الهِداية والعِصمة واللُّطف، فقد كفاها أمْرَ عَيْشها، فكانَ رِزقها يأتيها من عند الله) ، وأنه تعالى أسْمَعَها كلام الملائكة لها، ولم يَحدث هذا لأنثى غيرها، {وَطَهَّرَكِ} مِن الكُفر والمَعصية والأخلاق الرذيلة، {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} - والمُراد بهذا النوع من الاصطفاء أنه تعالى وَهَبَ لها عيسى عليه السلام من غير أب، وأنطقَ عيسى حالَ انفصالِهِ منها ليَشهد لها ببراءتها مِن التُّهمة، فبذلك جعلها وابنها آية للعالمين.

الآية 43: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ} : أي داوِمِي على الطاعة لربك، وقومي في خشوع وتواضع، شكرًا لله على ما أعطاكِ مِن نِعَمِه، {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} ، (ويُلاحَظ هنا أنه سبحانه لم يقل:(واركعي مع الراكعات) مع أنها أنثى، وقد قال عنها - أيضًا - في آيةٍ أخرى: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} ، وذلك لأنه تعالى لمَّا كان يريد أن يَمدحَ عبدًا من عباده - رجلًا كانَ أو امرأة - كان يَمنحه درجة الرجال، قال تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} ).

الآية 44: {ذَلِكَ} الذي قصَصْناهُ عليك أيها الرسول هو {مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ} {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} (واعلم أنّ الوحي هو الإعلام الخَفي السريع) ، {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} : يعني وما كنتَ معهم حين اختلفوا في كَفالة مريم أيُّهم أحَقُّ بها وأوْلَى، فعملوا القرعة، وألقَوْا أقلامهم التي يَكتبون بها التوراة، فوقع الاختيار على قلم زكريا عليه السلام، ففاز بكفالتها، {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} : يعني وما كنتَ معهم حين وقع بينهم هذا الاختلاف.

الآية 45: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} أي يُبشركِ بمولودٍ يكونُ وجوده بكلمةٍ من الله، وهي كلمة:"كن"، وهذا المولود {اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} ، وسيَكونُ {وَجِيهًا} : أي له الجاه والشرف والقدْر {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} {وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} عند اللهِ يوم القيامة، (واعلم أن لفظ:(المَسيح) هو لقب من الألقاب المُشَرَّفة كالصِّدِّيق والفاروق، وأصلُهُ بالعِبرانية: (مشيحا) ، ومعناه: المبارك).

الآية 46: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} : أي بعد ولادته، {وَكَهْلًا} : أي ويُكَلمهم أيضًا وهو كَهل، وذلك بعد أن يَنزل من السماء في آخر الزمان ويَقتل الدَّجَّال، (قال الحسين بن الفضل رحمه الله:"وفي هذه الآيةِ نَصٌّ في أنه عليه الصلاة والسلام سيَنزل إلى الأرض) ، فقد رُفِعَ عيسى عليه السلام إلى السماء وَعُمْرُهُ ثلاثٌ وثلاثون سنة (أي وهو في شبابه) ، {وَمِنَ الصَّالِحِينَ} : أي وهو مَعدود من أهل الصلاح والفضل في قوله وعمله."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت