مِنَ الْكِتَابِ {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، وهُم مِن أجْل دُنياهم: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} : أي يَكذبونَ على اللهِ تعالى - مع عِلمهم أنهم كاذبون - وهذا أعظم عقوبةً مِمَّن يقولُ على اللهِ بغير علم.
الآية 79، والآية 80: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ} : أي مَا كَانَ لِبَشَرٍ أن يُنَزِّل اللهُ عليه كتابه، {وَالْحُكْمَ} : أي ويَجعله حَكمًا بين خلقه، {وَالنُّبُوَّةَ} : أي ويُعطيه النُبُوَّة {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ} ! فهذا يَستحيل أن يَصدر مِن أحدٍ أنعم اللهُ عليه بالنُبُوَّة (سواء كانَ عيسى عليه السلام أو غيره) ، {وَلَكِنْ} يقولُ لهم: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ} : أي كونوا حُكماء فقهاء علماء بسبب تَعلِيمكم الكتابَ للناس، وهذا التعليم يَتطلَّب أن تكونوا أنتم قدوة للناس (عِلمًا وعَملًا) ، {وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} : أي وبما تدرسونه من الكتابِ حِفظًا وعِلمًا وفِقهًا، {وَلَا يَأْمُرَكُمْ} هذا النبي {أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} أي آلهة تَعبدونهم مِن دون اللهِ تعالى، {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} يعني: أَيُعْقَلُ - أيها الناس - أن يأمركم بالكفر باللهِ تعالى، بعد أن أمَركم أن تنقادوا له؟!، وبعد أن كنتم على فِطرَتِكم الأولى {وهي التوحيد} ؟!، وبعد تعاليم الرُسل التي قبله بتوحيد اللهِ تعالى وإخلاص العبادة له؟! هذا لا يُعقَلُ أبدًا، ولا يكونُ بأيّ حال.
الآية 81: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} : أي واذكر - أيها الرسول - حين أخذ اللهُ العهد المُؤكَّد على جميع الأنبياء، فقال لهم: {لَمَا آَتَيْتُكُمْ} : أي لَئِنْ أعطيتكم {مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ} مِن عندي {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} {قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} : أي فهل أقررتم واعترفتم بذلك، وأخذتم عليه عهدي المُوَثق؟ {قَالُوا أَقْرَرْنَا} {قَالَ فَاشْهَدُوا} : أي فليشهدْ بعضكم على بعض، واشهدوا على أمَمِكم بذلك، {وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} عليكم وعليهم (وفي هذا دليل على أنّ اللهَ تعالى قد أخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأخذ العهد أيضًا على أُمَم الأنبياء بذلك) .
الآية 82: {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ} أي فمَن أعرض عن الإسلام بعد هذا العهد الذي أخذه اللهُ عليهم {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} .
الآية 83: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} يعني: هل يريدون دينًا غير الإسلام؟ {وَلَهُ} : أي وللهِ تعالى قد {أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا} أي طائعينَ لأمْر اللهِ تعالى (كالمؤمنين) ، {وَكَرْهًا} : أي رغمًا عنهم عند الشدائد، حِينَ لا يَنفعهم ذلك (وهم الكفار) مِثل إسلام فرعون عند موته، {وَإِلَيْهِ} أي وإلى اللهِ وحده {يُرْجَعُونَ} جميعًا