الآية 110، والآية 111: {كُنْتُمْ} : أي كَتَبَ اللهُ أنكم ستكونونَ {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} : أي خُلِقَت لِنفع النَّاسِ، وذلك لأنكم {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} {وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} إيمانًا صادقًا يُؤّيِّدُهُ العمل، {وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ} بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به مِن عندِ اللهِ {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} في الدنيا والآخرة، {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ} برسالة محمد صلى الله عليه وسلم العاملون بها (وهم قليل) ، {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} الخارجون عن دين اللهِ وطاعته، وهؤلاء {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} يعني إلا ما يُؤذي أسماعكم من ألفاظ الشرك والكفر وغير ذلك، كما قال تعالى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} ، {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ} : أي يُعطونكم ظهورهم فِرارًا منكم، {ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} عليكم.
الآية 112: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ} : أي أحاطت بهم {الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} : أي فهم أذِلاَّءُ مُحتقَرون أينما وُجِدوا، فلا يكون اليهود إلا تحت أحكام المسلمين، أو تحت أحكام النَصارَى، {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ} : يعني إلا بعد أن يُوفوا بعهد اللهِ الذي أخذه عليهم مِن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم متى بُعِث، والدخول في الإسلام، فبذلك يَزول ذلك الذل عنهم، {وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} : يعني أو بعهدٍ من الناس يَأمَنون به على أنفسهم وأموالهم، كحماية دولة قوية لهم، أو مُعاهَدةٍ يفعلونها، أو غير ذلك.
{وَبَاءُوا} : أي رجعوا {بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ} مُستحقين له، {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ} : وهي فقر النفوس، فلا ترى اليهوديَّ إلا وعليه الخوف والرعب مِن أهل الإيمان، {ذَلِكَ} الذي جعله اللهُ عليهم، {بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} {وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} أي ظلمًا واعتداءً، {ذَلِكَ} : أي الجُرأة على قتل الأنبياء كانت {بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} : أي بسبب ارتكابهم للمعاصي، وتجاوُزِهِم لحدود اللهِ تعالى، فقسَتْ قلوبهم.
الآية 113: {لَيْسُوا سَوَاءً} : أي ليس أهل الكتاب متساوين، فإنَّ {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} : أي مستقيمة على أمر اللهِ تعالى، مؤمنة برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، و {يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ} : أي وهم يقومون الليل مُرَتِّلينَ آيات القرآن الكريم، (وغالبًا يَكتُمُ هؤلاء إيمانهم، خوفًا من بطش أعدائهم) ، {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} : أي وهم خاضعون لله، ذليلون له، مُقبلون على مُناجاتِهِ في صلواتهم.
الآية 114: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} إيمانًا صحيحًا كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} {وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} الذين لهم الدرجات العالية في الجنة.