أصابعهم من شدة الغضب، لِمَا يَرونه مِن أُلْفة المسلمين واجتماع كلمتهم، وعزة الإسلام وإذلالهم به، {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} .
-ومِن عداوتهم لكم أيها المؤمنون أنكم {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} : يعني إنْ نَزَلَ بكم أمْرٌ حَسَنٌ - مِن نَصْرٍ وغنيمة - ظهرتْ عليهم الكآبة والحزن {وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} : يعني وإنْ وقع بكم مَكْروهٌ - مِن هزيمةٍ أو نقصٍ في الأموال والأنفس والثمرات - فرحوا بذلك، {وَإِنْ تَصْبِرُوا} أيها المؤمنون على ما أصابكم، {وَتَتَّقُوا} اللهَ فيما أمَركم به ونهاكم عنه، {لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} {إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ} - من الفساد والمَكر - {مُحِيطٌ} وسيُجازيهم على ذلك.
الآية 121: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} : أي واذكر - أيها الرسول - حين خَرَجْتَ مِن بيتك في الصباح، لابسًا عُدَّة الحرب، و {تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} : أي وتنظم صفوف أصحابك، وتُنْزِل كل واحد منهم مكانه في الصف للقاء المشركين في غزوة"أُحُد"، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} لأقوالكم، {عَلِيمٌ} بأفعالكم.
الآية 122: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ} - وهُم بنو سلمة وبنو حارثة - {أَنْ تَفْشَلَا} : أي فقد حَدَّثتهم أنفسهم بأن يَجْبنوا، ويَهربوا من القتال، ويرجعوا مع زعيمهم المنافق (عبد اللهِ بن أُبَيٍّ) خوفًا من لقاء العدو، {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} : أي ولكنَّ اللهَ عَصَمَهُم وحَفظهم وثَبَّتَهم، فساروا معك متوكلين على الله، {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} .
? واعلم أن التوكل على الله: هو الأخذ بالأسباب - تعبُّدًا لله تعالى - لأنه هو الذي أمرنا بذلك، ولكنْ مع الاعتماد على اللهِ وحده، ومع الاعتقاد الجازم بأنّ كل شيء بيده سبحانه وتعالى، فلا يُعَلِّقُ العبد قلبه بالأسباب أبدًا، وإلاَّ، فإنَّ هناك مَن أخذ بنفس الأسباب ورغم ذلك فشل في قضاء حوائجه، فالتوفيق كله بيد اللهِ تعالى، فهو سبحانه الذي يُيَسِّرُ لعبده الأمور، وهو الذي يُلهمه أسباب الرشاد، ويُسَخِّر له مَن يُرشده للصواب، ويُهيئ له الأسباب الصالحة والأوقات المناسبة لقضاء حاجاته ومصالحه، وهو الذي يُسَخِّر قلوب العباد لخدمة المتوكلين عليه، إذ إنَّ قلوب العباد بين يديه سبحانه، قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّ قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحد، يُصَرِّفه حيث شاء) (والحديث في صحيح الجامع برقم: 2141) ، فهو سبحانه المتصرف في الأمور كلها، قال تعالى - في شأن العبد التَقِيّ: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} ، وقال أيضًا - في شأن العبد الشَقِيّ: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} .