الصفحة 38 من 53

{وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} : أي والذين إذا قَدَروا أن يُعاقبوا مَن ظلمهم: عَفَوا عنه، لأنهم يعلمون أنّ اللهَ يَغفرُ لهم ما فعلوه في حقه، فلماذا لا يَغفرون هم ما يَفعله الخَلق في حقهم؟!، كما قال تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لكم} ؟، ولكنْ بشرط أن تكون نتيجة هذا العفو: إصلاحٌ، كما قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} ، بمعنى أنك إذا وجدتَ هذا الشخص - الذي قد عفوتَ عنه - يَتمادى في الإساءة والإيذاء، فهذا لا ينفع معه العفو، لأنه يظن بذلك أنك ضعيف، ولا يَفهم أنك تعفو عنه لله، فهذا من الممكن أن تقول له: (الله يسامحك) ، ولكنْ تقولها له بشدة، وبِوَجْهٍ غاضب، وذلك لأنّ تغيُّر الوجه بالغضب عند قوْل كلمة: (الله يسامحك) ، يُوحي لمَن أمامك بأنك قادرٌ على مُعاقبته، وإنما يمنعك من ذلك خوفك من الله.

? وأمّا الذي ينفع معه العفو فهو الذي - إذا عفوتَ عنه - يتوقف عن ظلمه وأذاه وإساءته، ويَعتبر أنّ عفوك هذا جميلٌ يَحمله في رقبته إلى يوم القيامة.

? ومِن لَطيفِ ما يُذكَر أنّ أحد الناس كانَ قد التقى أثناء العُمرة بأحد الأشخاص الذين ظلموه وآذوه أشد الإيذاء، فقال له ذلك الشخص الظالم: (سامحني) ، فقال له: (لا أستطيع أن أسامحك بعد كل الذي فعلته معي، لا أقدر) ، ثم لمَّا طاف شوطًا بالكعبة: لَقِيَهُ مرة أخرى أمامه، فقال له: (اعلم أنني قد سامحتك حتى يسامحني الله، وإلاَّ، فماذا سأستفيدُ أنا إذا أنت دخلتَ جهنم؟) ، وكانَ أحد الناس يقول لِخُصومه (الذين اغتابهم وآذاهم) : (إن لم تسامحوني، فأنا أشْهِدُ اللهَ أنني قد سامحتكم فيما كانَ منكم في حقي) ، فكان بذلك يُرَقق قلوبهم، فيُسامحوه.

{وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} أي: وهذا هو الإحسان الذي يُحب اللهُ أصحابه.

الآية 135: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} أي ارتكبوا ذنبًا كبيرًا، {أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} بارتكاب صغائر الذنوب: {ذَكَرُوا اللَّهَ} : أي ذكروا وَعْدَ اللهِ ووعيده، فتذكَّروا أنهم قد يُحرَمون من الجنة (إذا خُتِمَ لهم بذلك، وماتوا على المعاصي مِن غير توبة، ولم يُوَفقوا لقول الشهادتين بسبب ذنوبهم) ، وتذكَّروا أنهم لا يَتحملون أقلّ قدْر من عذاب الله، وهو لِبس النعلين الذين تغلي الدماغ من شدة حَرّها وسخونتها، فعندما تذكَّروا ذلك، وخافوا عقابَ اللهِ تعالى، وخافوا حرمانهم من نعيم الجنة: {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} : أي لجأوا إلى ربهم تائبين، مُستغفرين نادمين، يَطلبون منه أن يَغفر لهم ذنوبهم، {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} : أي وهم مُوقنون أنه لا يَغفر الذنوب إلا الله، فليسَ لأحدٍ من البشر أن يَدَّعِي أنّ معه (صَكّ غفران) يَغفر به الذنوب، وإلاَّ، فليَغفر ذنوبه هو، {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} ، (واعلم أن الإصرار: هو البقاء على المخالفة، والعزم على المعاودة، كأن يَنوي أن يفعل معصية معينة في الأسبوع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت