الصفحة 40 من 53

مِنْكُمْ شُهَدَاءَ: أي ولِيُكْرِمَ أقوامًا منكم بالشهادة، {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} لأنفسهم، الذين قعدوا عن القتال في سبيله، {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا} : أي وقد كانت هذه الغزوة اختبارًا وتصفية للمؤمنين من ذنوبهم وعيوبهم، وتخليصًا لهم من المنافقين المُخالطين لهم، {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} : أي بإذهابهم وإنهاء وجودهم، فإنّ هذا الدرس قد نفع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد، فلم يخرجوا عن طاعة نبيهم، وبذلك توالت انتصاراتهم حتى أذهبوا ريح الكفر والكافرين من أرض الجزيرة العربية كلها، بل وخارج الجزيرة، فالفتوحات التي فتحها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغرب والشرق لم يفتحها غيرهم مِمَّن جاء بعدهم {لا من التابعين ولا من غيرهم} ، وهذا إنجازُ وَعْدِ الله تعالى لهم في قوله: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

الآية 142: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} دونَ أن تُبْتَلُوا بالقتال والشدائد؟ {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ} : أي ولابُدَّ أن تُبتَلوا بذلك حتى يَعلم الله - عِلمًا ظاهرًا للخلق - المُجاهدين منكم في سبيله، {وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} على مقاومة الأعداء.

الآية 143: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ} : أي ولقد كنتم تتمنون لقاء العدو، لتنالوا شرف الجهاد والاستشهاد (الذي ناله إخوانكم في غزوة"بدر") ، {مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ} : أي مِن قبل أن تلقوا الموتَ، وتروهُ أمام أعيُنِكم في غزوة"أُحُد"، {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} : أي فها هو ذا قد حصل لكم الذي طلبتموه، إذًا فقاتِلوا واصبروا.

الآية 144: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} يعني إنه صلى الله عليه وسلم مِثل باقي الرسل، مُهَمَّتهم واحدة، وهي تبليغ رسالات ربهم وتنفيذ أوامره، ليسوا بمُخلَّدين، وليس بقاؤهم شرطًا في امتثال أوامر الله، بل الواجب على الأمم: عبادة ربهم في كل وقت وبكل حال، {أَفَإِنْ مَاتَ} بانقضاء أجله، {أَوْ قُتِلَ} كما أشاع الأعداء: {انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} : أي رجعتم عن دينكم وتركتم ما جاءكم به نبيكم؟، {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا} ، وإنما يَضر نفسه ضررًا عظيمًا، أما مَن ثبت على الإيمان وشكر ربه على نعمة الإسلام، فإنّ اللهَ يَشكر له عمله {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} أحسن الجزاء.

الآية 145: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} وَقَدَره، فقد كتب تعالى ذلك على عباده {كِتَابًا مُؤَجَّلًا} : وهو اللوح المحفوظ الذي كُتِبَت فيه آجال الناس بمواقيتها، فلا تتقدم عنه ولا تتأخر، {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} : أي ومَن يَطلب بعمله عَرَض الدنيا والثناء من الناس، نُعطِهِ ما قسمناه له مِن رِزق، وليسَ له نصيب في الآخرة، {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} : أي ومَن يَطلب بعمله ثوابَ اللهِ في الآخرة، نؤته جزاءه وافرًا في الآخرة، مع ما لَه في الدنيا مِن رزقٍ مقسوم، فهذا قد شَكَرَنا بطاعته وجِهاده {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} خير الجزاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت