بِهَذَا الْقِسْمِ الثَّانِي وَقَدْ تُسَمَّى الْمُنَافَسَةَ فَيَتَنَافَسُ الِاثْنَانِ فِي الْأَمْرِ الْمَحْبُوبِ الْمَطْلُوبِ كِلَاهُمَا يَطْلُبُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَذَلِكَ لِكَرَاهِيَةِ أَحَدِهِمَا أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ الْآخَرُ كَمَا يَكْرَهُ الْمُسْتَبِقَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَسْبِقَهُ الْآخَرُ وَالتَّنَافُسُ لَيْسَ مَذْمُومًا مُطْلَقًا بَلْ هُوَ مَحْمُودٌ فِي الْخَيْرِ. قَالَ تَعَالَى:"إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ""عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ""تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ""يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ""خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ"فَأَمَرَ الْمُنَافِسَ أَنْ يُنَافِسَ فِي هَذَا النَّعِيمِ لَا يُنَافِسُ فِي نَعِيمِ الدُّنْيَا الزَّائِلِ] [1]
وقال ابن القيم [وَالْفرق بَين المنافسة والحسد أَن المنافسة الْمُبَادرَة إِلَى الْكَمَال الَّذِي تشاهده من غَيْرك فتنافسه فِيهِ حَتَّى تلْحقهُ أَو تجاوزه فَهِيَ من شرف النَّفس وعلو الهمة وَكبر الْقدر، قَالَ تَعَالَى"وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ"وَأَصلهَا من الشَّيْء النفيس الَّذِي تتَعَلَّق بِهِ النُّفُوس طلبا ورغبة فينافس فِيهِ كل من النفسين الْأُخْرَى وَرُبمَا فرحت إِذا شاركتها فِيهِ كَمَا كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله يتنافسون فِي الْخَيْر ويفرح بَعضهم بِبَعْض باشتراكهم فِيهِ بل يحض بَعضهم بَعْضًا عَلَيْهِ مَعَ تنافسهم فِيهِ وَهِي نوع من الْمُسَابقَة وَقد قَالَ تَعَالَى"فاستبقوا الْخيرَات"وَقَالَ تَعَالَى"سابقوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا كعرض السَّمَاء والأرض"، وَكَانَ عمر بن الْخطاب يسابق أَبَا بكر رَضِي الله عَنْهُمَا فَلم يظفر بسبقه أبدا فَلَمَّا علم أَنه قد استولى على الْإِمَامَة قَالَ وَالله لَا أسابقك إِلَى شَيْء أبدا وَقَالَ: وَالله مَا سبقته إِلَى خير إِلَّا وجدته قد سبقني إِلَيْهِ، والمتنافسان كعبدين بَين يَدي سيدهما يتباريان ويتنافسان فِي مرضاته ويتسابقان إِلَى محابه فسيدهما يُعجبهُ ذَلِك مِنْهُمَا ويحثهما عَلَيْهِ وكل مِنْهُمَا يحب الآخر ويحرضه على مرضاة سَيّده والحسد خلق نفس ذميمة وضيعه سَاقِطَة لَيْسَ فِيهَا حرص على الْخَيْر فلعجزها ومهانتها تحسد من يكْسب الْخَيْر والمحامد ويفوز بهَا دونهَا وتتمنى أَن لوفاته كسبها حَتَّى يساويها فِي الْعَدَم كَمَا قَالَ تَعَالَى"ودوا لَو تكفرون كَمَا كفرُوا فتكونون سَوَاء"وَقَالَ تَعَالَى"ود كثير من أهل الْكتاب لَو يردونكم من بعد إيمَانكُمْ كفَّارًا حسدا من عِنْد أنفسهم من بعد مَا تبين لَهُم"
(1) - مجموع الفتاوى (10/ 111،112،113)