فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 85

الْحق"، فالحسود عَدو النِّعْمَة متمن زَوَالهَا عَن الْمَحْسُود كَمَا زَالَت عَنهُ هُوَ والمنافس مسابق النِّعْمَة متمن تَمامهَا عَلَيْهِ وعَلى من ينافسه فَهُوَ ينافس غَيره أَن يَعْلُو عَلَيْهِ وَيُحب لحاقه بِهِ أَو مجاوزته لَهُ فِي الْفضل، والحسود يحب انحطاط غَيره حَتَّى يُسَاوِيه فِي النُّقْصَان وَأكْثر النُّفُوس الفاضلة الْخيرَة تنْتَفع بالمنافسة فَمن جعل نصب عَيْنَيْهِ شخصا من أهل الْفضل والسبق فنافسه انْتفع بِهِ كثيرا فَإِنَّهُ يتشبه بِهِ وَيطْلب اللحاق بِهِ والتقدم عَلَيْهِ وَهَذَا لَا نذمه،، وَقد يُطلق اسْم الْحَسَد على المنافسة المحمودة كَمَا فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي"لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل آتَاهُ الله الْقُرْآن فَهُوَ يقوم بِهِ أناء اللَّيْل وأطراف النَّهَار وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ على هَلَكته فِي الْحق"، فَهَذَا حسد مُنَافَسَة وغبطة يدل على علو همة صَاحبه وَكبر نَفسه وطلبها للتشبه بِأَهْل الْفضل] [1] "

وقال الماوردي [وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اصْبِرْ عَلَى كَيْدِ الْحَسْودِ فَإِنَّ صَبْرَكَ قَاتِلُهُ فَالنَّارُ تَأْكُلُ بَعْضَهَا إنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُهُ وَحَقِيقَةُ الْحَسَدِ شِدَّةُ الْأَسَى عَلَى الْخَيْرَاتِ تَكُونُ لِلنَّاسِ الْأَفَاضِلِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُنَافَسَةِ، وَرُبَّمَا غَلِطَ قَوْمٌ فَظَنُّوا أَنَّ الْمُنَافَسَةَ فِي الْخَيْرِ هِيَ الْحَسَدُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ظَنُّوا؛ لِأَنَّ الْمُنَافَسَةَ طَلَبُ التَّشَبُّهِ بِالْأَفَاضِلِ مِنْ غَيْرِ إدْخَالِ ضَرَرٍ عَلَيْهِمْ.

وَالْحَسَدُ مَصْرُوفٌ إلَى الضَّرَرِ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَعْدَمَ الْأَفَاضِلُ فَضْلَهُمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ الْفَضْلُ لَهُ، فَهَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُنَافَسَةِ وَالْحَسَدِ.

فَالْمُنَافَسَةُ إذًا فَضِيلَةٌ؛ لِأَنَّهَا دَاعِيَةٌ إلَى اكْتِسَابِ الْفَضَائِلِ وَالِاقْتِدَاءِ بِأَخْيَارِ الْأَفَاضِلِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ"الْمُؤْمِنُ يَغْبِطُ وَالْمُنَافِقُ يَحْسُدُ".

وَقَالَ الشَّاعِرُ: نَافِسْ عَلَى الْخَيْرَاتِ أَهْلَ الْعُلَا فَإِنَّمَا الدُّنْيَا أَحَادِيثُ كُلُّ امْرِئٍ فِي شَأْنِهِ كَادِحٌ فَوَارِثٌ مِنْهُمْ وَمَوْرُوثُ وَاعْلَمْ أَنَّ دَوَاعِيَ الْحَسَدِ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهُمَا: بُغْضُ الْمَحْسُودِ فَيَأْسَى عَلَيْهِ بِفَضِيلَةٍ تَظْهَرُ، أَوْ مَنْقَبَةٍ تُشْكَرُ، فَيُثِيرُ حَسَدًا قَدْ خَامَرَ بُغْضًا.

وَهَذَا النَّوْعُ لَا يَكُونُ عَامًّا وَإِنْ كَانَ أَضَرَّهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يُبْغِضُ كُلَّ النَّاسِ.

(1) - كتاب الروح (1/ 251،252)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت