فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 85

وفي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ"إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا" [1]

قال النووي[قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَاد اللَّه إِخْوَانًا)

التَّدَابُر الْمُعَادَاة، وَقِيلَ: الْمُقَاطَعَة؛ لِأَنَّ كُلّ وَاحِد يُوَلِّي صَاحِبه دُبُره. وَالْحَسَد تَمَنِّي زَوَال النِّعْمَة، وَهُوَ حَرَام. وَمَعْنَى (كُونُوا عِبَاد اللَّه إِخْوَانًا) أَيْ تَعَامَلُوا وَتَعَاشَرُوا مُعَامَلَة الْإِخْوَة وَمُعَاشَرَتهمْ فِي الْمَوَدَّة وَالرِّفْق، وَالشَّفَقَة وَالْمُلَاطَفَة، وَالتَّعَاوُن فِي الْخَيْر، وَنَحْو ذَلِكَ، مَعَ صَفَاء الْقُلُوب، وَالنَّصِيحَة بِكُلِّ حَال. قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء. وَفِي النَّهْي عَنْ التَّبَاغُض إِشَارَة إِلَى النَّهْي عَنْ الْأَهْوَاء الْمُضِلَّة الْمُوجِبَة لِلتَّبَاغُضِ] [2] .

قال ابن حجر [قَوْله: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنّ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره لَيْسَ الْمُرَاد تَرْك الْعَمَل بِالظَّنِّ الَّذِي تُنَاط بِهِ الْأَحْكَام غَالِبًا، بَلْ الْمُرَاد تَرْك تَحْقِيق الظَّنّ الَّذِي يَضُرّ بِالْمَظْنُونِ بِهِ، وَكَذَا مَا يَقَع فِي الْقَلْب بِغَيْرِ دَلِيل، وَذَلِكَ أَنَّ أَوَائِل الظُّنُون إِنَّمَا هِيَ خَوَاطِر لَا يُمْكِن دَفْعهَا، وَمَا لَا يَقْدِر عَلَيْهِ لَا يُكَلَّف بِهِ، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث"تَجَاوَزَ اللَّه لِلْأُمَّةِ عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا"وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمُرَاد بِالظَّنِّ هُنَا التُّهْمَة الَّتِي لَا سَبَب لَهَا كَمَنْ يَتَّهِم رَجُلًا بِالْفَاحِشَةِ مِنْ غَيْر أَنْ يَظْهَر عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِيهَا، وَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْله"وَلَا تَجَسَّسُوا"وَذَلِكَ أَنَّ الشَّخْص يَقَع لَهُ خَاطِر التُّهْمَة فَيُرِيد أَنْ يَتَحَقَّق فَيَتَجَسَّس وَيَبْحَث وَيَسْتَمِع، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحَدِيث يُوَافِق قَوْله تَعَالَى"اِجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنّ، إِنَّ بَعْض الظَّنّ إِثْم، وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضكُمْ بَعْضًا"فَدَلَّ سِيَاق الْآيَة عَلَى الْأَمْر بِصَوْنِ عِرْض الْمُسْلِم غَايَة الصِّيَانَة لِتَقَدُّمِ النَّهْي عَنْ الْخَوْض فِيهِ بِالظَّنِّ، فَإِنْ قَالَ الظَّانّ أَبْحَثُ لِأَتَحَقَّق، قِيلَ لَهُ"وَلَا تَجَسَّسُوا"فَإِنْ قَالَ تَحَقَّقْت مِنْ غَيْر تَجَسُّس قِيلَ لَهُ"وَلَا يَغْتَبْ بَعْضكُمْ بَعْضًا"، وَقَالَ عِيَاض:

(1) - اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (1660)

(2) - شرح مسلم (16/ 116)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت