فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 85

اِسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ قَوْم عَلَى مَنْع الْعَمَل فِي الْأَحْكَام بِالِاجْتِهَادِ وَالرَّأْي، وَحَمَلَهُ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى ظَنٍّ مُجَرَّد عَنْ الدَّلِيل لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْل وَلَا تَحْقِيق نَظَرٍ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَيْسَ الْمُرَاد فِي الْحَدِيث بِالظَّنِّ مَا يَتَعَلَّق بِالِاجْتِهَادِ الَّذِي يَتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ أَصْلًا، بَلْ الِاسْتِدْلَال بِهِ لِذَلِكَ ضَعِيف أَوْ بَاطِل، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ضَعْفه ظَاهِر وَأَمَّا بُطْلَانه فَلَا، فَإِنَّ اللَّفْظ صَالِح لِذَلِكَ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ حُمِلَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاض وَقَدْ قَرَّبَهُ فِي"الْمُفْهِم"وَقَالَ: الظَّنّ الشَّرْعِيّ الَّذِي هُوَ تَغْلِيب أَحَد الْجَانِبَيْنِ أَوْ هُوَ بِمَعْنَى الْيَقِين لَيْسَ مُرَادًا مِنْ الْحَدِيث وَلَا مِنْ الْآيَة. فَلَا يُلْتَفَت لِمَنْ اِسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى إِنْكَار الظَّنّ الشَّرْعِيّ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: اِحْتَجَّ بِهِ بَعْض الشَّافِعِيَّة عَلَى مَنْ قَالَ بِسَدِّ الذَّرِيعَة فِي الْبَيْع فَأَبْطَلَ بَيْع الْعِينَة، وَوَجْه الِاسْتِدْلَال النَّهْي عَنْ الظَّنّ بِالْمُسْلِمِ شَرًّا، فَإِذَا بَاعَ شَيْئًا حُمِلَ عَلَى ظَاهِره الَّذِي وَقَعَ الْعَقْد بِهِ وَلَمْ يَبْطُل بِمُجَرَّدِ تَوَهُّم أَنَّهُ سَلَكَ بِهِ مَسْلَك الْحِيلَة، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَأَمَّا وَصْف الظَّنّ بِكَوْنِهِ أَكْذَب الْحَدِيث، مَعَ أَنَّ تَعَمُّد الْكَذِب الَّذِي لَا يَسْتَنِد إِلَى ظَنٍّ أَصْلًا أَشَدُّ مِنْ الْأَمْر الَّذِي يَسْتَنِد إِلَى الظَّنّ، فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الظَّنّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ هُوَ الَّذِي لَا يَسْتَنِد إِلَى شَيْء يَجُوز الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ فَيُعْتَمَد عَلَيْهِ وَيُجْعَل أَصْلًا وَيُجْزَم بِهِ، فَيَكُون الْجَازِم بِهِ كَاذِبًا؛ وَإِنَّمَا صَارَ أَشَدَّ مِنْ الْكَاذِب؛ لِأَنَّ الْكَذِب فِي أَصْله مُسْتَقْبَح مُسْتَغْنًى عَنْ ذَمّه، بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّ صَاحِبه بِزَعْمِهِ مُسْتَنِد إِلَى شَيْء فَوُصِفَ بِكَوْنِهِ أَشَدَّ الْكَذِب مُبَالَغَة فِي ذَمّه وَالتَّنْفِير مِنْهُ، وَإِشَارَة إِلَى أَنَّ الِاغْتِرَار بِهِ أَكْثَر مِنْ الْكَذِب الْمَحْض لِخَفَائِهِ غَالِبًا وَوُضُوح الْكَذِب الْمَحْض.

قَوْله: (فَإِنَّ الظَّنّ أَكْذَب الْحَدِيث) قَدْ اِسْتُشْكِلَ تَسْمِيَة الظَّنّ حَدِيثًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد عَدَم مُطَابَقَة الْوَاقِع سَوَاء كَانَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَا يَنْشَأ عَنْ الظَّنّ فَوُصِفَ الظَّنّ بِهِ مَجَازًا.

قَوْله: (وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا) إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ بِالْجِيمِ وَالْأُخْرَى بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة، وَفِي كُلّ مِنْهُمَا حَذْف إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وَكَذَا فِي بَقِيَّة الْمَنَاهِي الَّتِي فِي حَدِيث الْبَاب، وَالْأَصْل تَتَحَسَّسُوا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ لَا تَبْحَثُوا عَنْ عُيُوب النَّاس وَلَا تَتَّبِعُوهَا، قَالَ اللَّه تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام"اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُف وَأَخِيهِ"وَأَصْل هَذِهِ الْكَلِمَة الَّتِي بِالْمُهْمَلَةِ مِنْ الْحَاسَّة إِحْدَى الْحَوَاسّ الْخَمْس، وَبِالْجِيمِ مِنْ الْجَسّ بِمَعْنَى اِخْتِبَار الشَّيْء بِالْيَدِ وَهِيَ إِحْدَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت