فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 85

الْحَوَاسّ، فَتَكُون الَّتِي بِالْحَاءِ أَعَمَّ. وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِد، وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ: ذَكَرَ الثَّانِي لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِمْ بُعْدًا وَسُخْطًا، وَقِيلَ بِالْجِيمِ الْبَحْث عَنْ عَوْرَاتهمْ وَبِالْحَاءِ اِسْتِمَاع حَدِيث الْقَوْم، وَهَذَا رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير أَحَد صِغَار التَّابِعِينَ. وَقِيلَ بِالْجِيمِ الْبَحْث عَنْ بَوَاطِن الْأُمُور وَأَكْثَر مَا يُقَال فِي الشَّرّ، وَبِالْحَاءِ الْبَحْث عَمَّا يُدْرَك بِحَاسَّةِ الْعَيْن وَالْأُذُن وَرَجَّحَ هَذَا الْقُرْطُبِيّ، وَقِيلَ بِالْجِيمِ تَتَبُّع الشَّخْص لِأَجْلِ غَيْره وَبِالْحَاءِ تَتَبُّعه لِنَفْسِهِ وَهَذَا اِخْتِيَار ثَعْلَب، وَيُسْتَثْنَى مِنْ النَّهْي عَنْ التَّجَسُّس مَا لَوْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى إِنْقَاذ نَفْس مِنْ الْهَلَاك مَثَلًا كَأَنْ يُخْبِر ثِقَة بِأَنَّ فُلَانًا خَلَا بِشَخْصٍ لِيَقْتُلهُ ظُلْمًا، أَوْ بِامْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا، فَيُشْرَع فِي هَذِهِ الصُّورَة التَّجَسُّس وَالْبَحْث عَنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِنْ فَوَات اِسْتِدْرَاكه، نَقَلَهُ النَّوَوِيّ عَنْ"الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة"لِلْمَاوَرْدِيِّ وَاسْتَجَادَهُ، وَأَنَّ كَلَامه: لَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَبْحَث عَمَّا لَمْ يَظْهَر مِنْ الْمُحَرَّمَات وَلَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنّ اِسْتِسْرَار أَهْلهَا بِهَا إِلَّا هَذِهِ الصُّورَة.

قَوْله: (وَلَا تَحَاسَدُوا) الْحَسَد تَمَنِّي الشَّخْص زَوَال النِّعْمَة عَنْ مُسْتَحِقّ لَهَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَسْعَى فِي ذَلِكَ أَوْ لَا، فَإِنْ سَعَى كَانَ بَاغِيًا، وَإِنْ لَمْ يَسْعَ فِي ذَلِكَ وَلَا أَظْهَرَهُ وَلَا تَسَبَّبَ فِي تَأْكِيد أَسْبَاب الْكَرَاهَة الَّتِي نُهِيَ الْمُسْلِم عَنْهَا فِي حَقّ الْمُسْلِم نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ الْمَانِع لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْعَجْز بِحَيْثُ لَوْ تَمَكَّنَ لَفَعَلَ فَهَذَا مَأْزُور، وَإِنْ كَانَ الْمَانِع لَهُ مِنْ ذَلِكَ التَّقْوَى فَقَدْ يُعْذَر لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيع دَفْع الْخَوَاطِر النَّفْسَانِيَّة فَيَكْفِيه فِي مُجَاهَدَتهَا أَنْ لَا يَعْمَل بِهَا وَلَا يَعْزِم عَلَى الْعَمَل بِهَا، وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة رَفَعَهُ"ثَلَاث لَا يَسْلَم مِنْهَا أَحَد: الطِّيَرَة وَالظَّنّ وَالْحَسَد. قِيلَ: فَمَا الْمَخْرَج مِنْهَا يَا رَسُول اللَّه؟ قَالَا: إِذَا تَطَيَّرْت فَلَا تَرْجِع، وَإِذَا ظَنَنْت فَلَا تُحَقِّق، وَإِذَا حَسَدْت فَلَا تَبْغِ" [1] وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ قَالَ: مَا مِنْ آدَمِيّ إِلَّا وَفِيهِ الْحَسَد. فَمَنْ لَمْ يُجَاوِز ذَلِكَ إِلَى الْبَغْي وَالظُّلْم لَمْ يَتْبَعهُ مِنْهُ شَيْء.

قَوْله: (وَلَا تَدَابَرُوا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا تَتَهَاجَرُوا فَيَهْجُر أَحَدكُمْ أَخَاهُ، مَأْخُوذ مِنْ تَوْلِيَة الرَّجُل الْآخَر دُبُره إِذَا أَعْرَضَ عَنْهُ حِين يَرَاهُ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: قِيلَ لِلْإِعْرَاضِ مُدَابَرَة لِأَنَّ مَنْ أَبْغَضَ أَعْرَضَ وَمَنْ

(1) - ضعيف الجامع (2527)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت