فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 85

أَعْرَضَ وَلَّى دُبُره، وَالْمُحِبّ بِالْعَكْسِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَسْتَأْثِر أَحَدكُمْ عَلَى الْآخَر، وَقِيلَ لِلْمُسْتَأْثِرِ مُسْتَدْبِر لِأَنَّهُ يُوَلِّي دُبُره حِين يَسْتَأْثِر بِشَيْءٍ دُون الْآخَر وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَعْنَى التَّدَابُر الْمُعَادَاة يَقُول دَابَرْتُهُ أَيْ عَادَيْته. وَحَكَى عِيَاض أَنَّ مَعْنَاهُ لَا تُجَادِلُوا وَلَكِنْ تَعَاوَنُوا، وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَقَدْ فَسَّرَهُ مَالِك فِي"الْمُوَطَّأ"بِأَخَصّ مِنْهُ فَقَالَ إِذْ سَاقَ حَدِيث الْبَاب عَنْ الزُّهْرِيّ بِهَذَا السَّنَد: وَلَا أَحْسِب التَّدَابُر إِلَّا الْإِعْرَاض عَنْ السَّلَام، يُدْبِر عَنْهُ بِوَجْهِهِ. وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ بَقِيَّة الْحَدِيث"يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِض هَذَا وَيُعْرِض هَذَا، وَخَيْرهمَا الَّذِي يَبْدَأ بِالسَّلَامِ"فَإِنَّهُ يُفْهِم أَنَّ صُدُور السَّلَام مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدهمَا يَرْفَع ذَلِكَ الْإِعْرَاض، وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي"بَاب الْهِجْرَة"وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ الْحُسَيْن بْن الْحَسَن الْمَرْوَزِيُّ فِي"زِيَادَات كِتَاب الْبِرّ وَالصِّلَة"لِابْنِ الْمُبَارَك بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَنَس قَالَ: التَّدَابُر التَّصَارُم.

قَوْله: (وَلَا تَبَاغَضُوا) أَيْ لَا تَتَعَاطَوْا أَسْبَاب الْبُغْض، لِأَنَّ الْبُغْض لَا يُكْتَسَب اِبْتِدَاء. وَقِيلَ الْمُرَاد النَّهْي عَنْ الْأَهْوَاء الْمُضِلَّة الْمُقْتَضِيَة لِلتَّبَاغُضِ. قُلْت: بَلْ هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْأَهْوَاء، لِأَنَّ تَعَاطِي الْأَهْوَاء ضَرْب مِنْ ذَلِكَ، وَحَقِيقَة التَّبَاغُض أَنْ يَقَع بَيْنَ اِثْنَيْنِ وَقَدْ يُطْلَق إِذَا كَانَ مِنْ أَحَدهمَا، وَالْمَذْمُوم مِنْهُ مَا كَانَ فِي غَيْر اللَّه تَعَالَى، فَإِنَّهُ وَاجِب فِيهِ وَيُثَاب فَاعِله لِتَعْظِيمِ حَقّ اللَّه وَلَوْ كَانَا أَوْ أَحَدهمَا عِنْدَ اللَّه مِنْ أَهْل السَّلَامَة، كَمَنْ يُؤَدِّيه اِجْتِهَاده إِلَى اِعْتِقَاد يُنَافِي الْآخَر فَيَبْغُضهُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مَعْذُور عِنْدَ اللَّه.

قَوْله: (وَكُونُوا عِبَاد اللَّه إِخْوَانًا) بِلَفْظِ الْمُنَادِي الْمُضَاف، زَادَ مُسْلِم فِي آخِره مِنْ رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة"كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّه"وَمِثْله عِنْدَه مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ أَنَس، وَهَذِهِ الْجُمْلَة تُشْبِه التَّعْلِيل لِمَا تَقَدَّمَ، كَأَنَّهُ قَالَ إِذَا تَرَكْتُمْ هَذِهِ الْمَنْهِيَّات كُنْتُمْ إِخْوَانًا وَمَفْهُومه إِذَا لَمْ تَتْرُكُوهَا تَصِيرُوا أَعْدَاء، وَمَعْنَى كُونُوا إِخْوَانًا اِكْتَسِبُوا مَا تَصِيرُونَ بِهِ إِخْوَانًا مِمَّا سَبَقَ ذِكْره وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور الْمُقْتَضِيَة لِذَلِكَ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا، وَقَوْله"عِبَاد اللَّه"بِحَذْفِ حَرْف النِّدَاء، وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّكُمْ عَبِيد اللَّه فَحَقّكُمْ أَنْ تَتَوَاخُوا بِذَلِكَ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمَعْنَى كُونُوا كَإِخْوَانِ النَّسَب فِي الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة وَالْمَحَبَّة وَالْمُوَاسَاة وَالْمُعَاوَنَة وَالنَّصِيحَة، وَلَعَلَّ قَوْله فِي الرِّوَايَة الزَّائِدَة"كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّه"أَيْ بِهَذِهِ الْأَوَامِر الْمُقَدَّم ذِكْرهَا فَإِنَّهَا جَامِعَة لِمَعَانِي الْأُخُوَّة، وَنِسْبَتهَا إِلَى اللَّه؛ لِأَنَّ الرَّسُول مُبَلِّغ عَنْ اللَّه، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا"لَا أَقُول إِلَّا مَا أَقُول"وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ"كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّه"الْإِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة) فَإِنَّهُ خَبَر عَنْ الْحَالَة الَّتِي شُرِعَتْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت