لِلْمُؤْمِنِينَ، فَهُوَ بِمَعْنَى الْأَمْر، قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: تَضَمَّنَ الْحَدِيث تَحْرِيم بُغْض الْمُسْلِم وَالْإِعْرَاض عَنْهُ وَقَطِيعَته بَعْد صُحْبَته بِغَيْرِ ذَنْب شَرْعِيّ، وَالْحَسَد لَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُعَامِلهُ مُعَامَلَة الْأَخ النَّسِيب، وَأَنْ لَا يُنَقِّب عَنْ مَعَايِبه، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَاضِر وَالْغَائِب، وَقَدْ يَشْتَرِك الْمَيِّت مَعَ الْحَيّ فِي كَثِير مِنْ ذَلِكَ] [1] .
(الحديث الثاني عشر) : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"لا يجتمعان في النار مسلم قتل كافرا ثم سدد وقارب ولا يجتمعان في جوف مؤمن غبار في سبيل الله وفيح جهنم ولا يجتمعان في قلب عبد الإيمان والحسد" [2]
قال الإمام السندي [ (لَا يَجْتَمِعَانِ فِي النَّار) خبر مَحْذُوف أَي شيآن لَا يَجْتَمِعَانِ أَو هُوَ على لُغَة أكلوني البراغيث وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَوله مُسلم قتل كَافِرًا بِتَقْدِير مَعْطُوف أَي وَالْكَافِر الَّذِي قَتله، وَقَوله (ثمَّ سدد وقارب) يُفِيد أَنه مَشْرُوط بِعَدَمِ الانحراف بعد ذَلِك (وفيح جَهَنَّم) أَي أثر فيح جَهَنَّم من الْحَرَارَة وفيح جَهَنَّم انتشارها، والحسد تقبيح للحسد وَبَيَان أَنه لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ أَن يحْسد فَإِنَّهُ لَيْسَ من شَأْنه ذَلِك فَمَعْنَى لَا يَجْتَمِعَانِ هَا هُنَا أَنه لَيْسَ من شَأْن الْمُؤمن أَن يجمعهما، وَيحْتَمل أَن المُرَاد بِالْإِيمَان كَمَاله فَلْيتَأَمَّل وَالله تَعَالَى أعلم] [3]
وقال الشيخ محمد اسماعيل المقدم [قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمعان في النار) هذا خبر لمحذوف، والمقصود: شيئان لا يجتمعان، أو يكون على لغة من يقول: أكلوني البراغيث، فتقدم الضمير أولًا، ولم يسبقه الاسم الظاهر، فتقول: أكلوني البراغيث، فتقدم الفعل متصلًا بالضمير وبعده الاسم الظاهر، وكذلك هنا: (لا يجتمعان) قدم ضمير المثنى قبل ذكر هذين الأمرين: (لا يجتمعان في النار: مسلم قتل كافرًا ثم سدد وقارب) فهنا لم يذكر سوى شيء واحد، ولم يذكر شيئين، فيكون
(1) - فتح الباري (10/ 481،482،483) .
(2) - صحيح الجامع (7620)
(3) - في حاشيته على سنن النسائي (6/ 13)