فهرس الكتاب
جواب الشبهة
الحمد لله، وبعد، فكلام الشيخ واضح، وأنه لا يقصد الباطن الذي يقصده ضلال الصوفية، وباطنيتهم، لكن الإشكال في هذا الكلام هو سبب الإشكال في كثير من الشبهات السابقة، وهو اللفظ المجمل، فالعلم الباطن لفظ مجمل، يراد به ما في القلب من العلوم والأحوال كالصدق والإخلاص والخشية والمحبة والتوكل وغير ذلك من أعمال القلوب فهي باطنة في القلوب غير ظاهرة، ويراد به ما يخفى على كثير من الخلق من إشارات النص وتنبيهه مما قد لا يتنبه له إلا خواص أهل العلم، ويراد به الإيمان بالغيب، ويراد به ما يقصده غلاة الصوفية والفلاسفة والباطنية من علوم باطنة مخالفة لظاهر الشرع, وعلوم لم يأت بها الشارع، فالمعاني الثلاث الأول فصحيحة وأعلم الأمة بها وأكملهم فيها أبو بكر الصديق رضي الله عنه بلا نزاع في ذلك عند أهل السنة، والرابع كفر أو ضلال, وشيخ الإسلام ابن تيمية بسط هذه المسألة بما لا تجده عند غيره فقال رحمه الله: (قول الرجل: الباطن، إما أن يريد علم الأمور الباطنة مثل العلم بما في القلوب من المعارف والأحوال، والعلم بالغيوب التي أخبرت بها الرسل، وإما أن يريد به العلم الباطن أي الذي يبطن عن فهم أكثر الناس أو عن فهم من وقف مع الظاهر ونحو ذلك، فأما الأول فلا ريب أن العلم منه ما يتعلق بالظاهر كأعمال الجوارح، ومنه ما يتعلق بالباطن كأعمال القلوب، ومنه ما هو علم بالشهادة وهو ما يشهده الناس بحواسهم، ومنه ما يتعلق بالغيب وهو ما غاب عن إحساسهم وأصل الإيمان هو الإيمان بالغيب .. والعلم بأحوال القلوب كالعلم بالاعتقادات الصحيحة والفاسدة والإرادات الصحيحة والفاسدة، والعلم بمعرفة الله ومحبته والإخلاص له وخشيته والتوكل عليه والرجاء له والحب فيه والبغض فيه والرضا بحكمه والإنابة إليه، والعلم بما يحمد ويذم من أخلاق النفوس كالسخاء والحياء والتواضع والكبر والعجب والفخر والخيلاء وأمثال ذلك من العلوم المتعلقة بأمور باطنة في القلوب ونحوه قد يقال له:(علم الباطن) أي علم بالأمر الباطن، فالمعلوم هو الباطن ... فيكون هذا العلم باطنا من جهتين من جهة كون المعلوم باطنا ومن جهة كون العلم باطنًا لا يعرفه أكثر الناس، ثم إن هذا الكلام في هذا العلم يدخل فيه من الحق والباطل ما لا يدخل في غيره، فما وافق الكتاب والسنة فهو حق، وما خالف ذلك فهو باطل كالكلام في الأمور الظاهرة. وأما إذا أريد بالعلم الباطن العلم الذي يبطن عن أكثر الناس أو عن بعضهم فهذا على نوعين: أحدهما: باطن يخالف العلم الظاهر، والثانى لا يخالفه؛ فأما الأول فباطل فمن ادعى علما باطنًا أو علمًا بباطن وذلك يخالف العلم الظاهر كان مخطئًا إما ملحدا زنديقا وإما جاهلًا ضالًا. وأما الثانى فهو بمنزلة الكلام في العلم الظاهر قد يكون حقا وقد يكون