وبما أنَّ المشيئة تعني إيجاد الشيء، فهي تعني حصول المشيء، والإرادة لا تعني حصول المراد بعد؛ لأنَّ الإرادة تعني الطلب، فهي كمعنى عزم، أو نوى، أو كمعنى حَكَمَ ولم ينفذ الحكم بعد؛ لأنَّ المشيئة فعل حسي، والإرادة فعل قلبي، فالمشيئة من الإنسان تعنى اكتساب الشيء وحصوله، والإرادة تعني طلب الشيء، فيكون الفرق بينهما كالفرق بين الوجود والعدم، فقولك: شاء فلان الزنا [1] يعني أنَّه زنا، وقولك: أراد فلان الزنا، يعني أنَّه لم يزن، وإنَّما أراده وطلبه، وقد يغير المرء رأيه، فيعدل عن طلبه وعمَّا أراده، أو يعجز عن فعله؛ ولهذا فإنَّ الله سبحانه يحاسب من شاء الزنا، وشرَّع جلده أو رجمه، ولكن لا يحاسب من أراد الزنا، ولم يُشَرِّع جلده أو رجمه، فالمشيئة غير الإرادة إلاَّ أنَّ الذي أوهم أهل اللغة والتفسير بوحدة معنييهما هو شيوع وضع المشيئة موضع الإرادة في كلام الناس، وهذا ما صرَّح به الراغب بقوله المذكور: (( المشيئة في الأصل إيجاد الشيء وإصابته، وإن كان قد يُستعمل في التعارف موضع الإرادة ) ) [2]
مشيئة الله ومشيئة الإنسان: لاعتقاد أهل اللغة أنَّ الموجد للشيء هو الله وحده سبحانه، لم يجعلوا المشيئة من الإنسان بمعنى إيجاد الشيء بل جعلوها
(1) جاز أن يقال: شاء الله الزنا؛ والمعنى: أنَه: خلق أسبابه ومقدماته؛ فأسبابه وجود الرجل والمرأة؛ ووجود الشهوة الجنسية في كليهما؛ والله هو الذي خلق الرجل والمرأة؛ وخلق الميل بينهما؛ فلو لم يخلق الله الإنسان وشهوته؛ لما حصل الزنا؛ كذلك كل فعل يفعله الإنسان؛ وقد منح الله لكل إنسان القدرة على فعل الخير؛ والقدرة على فعل الشر؛ وقد أمره الله بفعل الأول؛ ونهاه عن فعل الثاني؛ من أجل امتحانه واختباره
(2) المفردات ص 214.