والتقدير في الآيتين: فاقتلوهم حيث رأيتموهم فلماذا إذن عبَّر عن الرؤية بلفظ الوجود؟ لا يستطيع أصحاب كتب الوجوه الإجابة عن هذا السؤال، إلاَّ بأحد أمرين، إمَّا أن يدعوا بأنَّ من الأنسب والأبلغ والأفصح والأحق أن يُعَبَّر عن المعنى بلفظه، إلاَّ أنَّ القرآن الكريم ألحن فعبَّر عن المعنى بغير لفظه ووضع اللفظ في غير موضعه، وهذا ما لا يجرؤ ولا يستطيع أحد أن يدعيه؛ لأنَّه ما من أحد يستطيع أن يثبت هذا الادعاء، وإمَّا أن يعترفوا ويقروا جميعًا بأنَّ هناك فرقًا في المعنى بين الوجود والرؤية، وأنَّ القرآن الكريم استعمل لفظ الوجود؛ لأنَّه أراد معناه، ولم يستعمل لفظ الرؤية لأنَّه ما أراد معناها، وعندئذ تبطل فكرة تضمين (وَجَدَ) معنى (رأى) ويقال الكلام نفسه في تضمينها معاني الأفعال الباقية، وتبطل تبعًا لذلك كل وجوه (وجد) لأنَّها قامت على أساس باطل.
وهذا هو عين ما حصل في كل وجه ذكره أهل الوجوه إلاَّ ما كان قائمًا على أساس اللفظ المشترك، وهي لا تتجاوز بضعة ألفاظ في كل كتب الوجوه
ومن ذلك أيضًا (جعلَ) فقد تقدم أنَّها عند النحاة من أخوات ظنَّ تتعدى لمفعولين، إلاَّ أنَّهم ضمنوها معنى خلق المتعدية لمفعول واحد لحل مشكلة عدم تعديها لمفعولين في مواضع كقوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) {الأنعام: 1} [1]
(1) ينظر: شرح المفصل 4/ 324 وعمدة الحافظ 1/ 234 وحاشية الصبان على شرح الأشموني 2/ 32 وهمع الهوامع 1/ 539.