ولأنَّ لغرض من التضمين عند أصحاب كتب الوجوه تعدد الأوجه، فقد ضمنوا (جعل) سواء تعدت لواحد أم لاثنين معاني الأفعال الآتية: فَعَلَ، وصيَّر، وسمَّى، وخلَّى، ووصف، ودخل،، وحرَّم، وأمات، وحكم، وذكر، وصدَّق، وغيَّر، وأكرم، وقال، وأنزل، ووضع، وترك، وقَلَبَ، وأعطى، وأرسل، وتوجَّه، وشرع، وسوَّى، وقدَّر، وبدَّل، وأوجد، وخلق كقوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) {الأنعام: 1} أي: خلق الظلمات والنور [1]
وهذه التضمينات جميعها عند الفريقين باطلة، وأكبر دليل على بطلانها أنَّه من حق أي باحث كان أن يسأل الفريق الأول أنَّه إذا كانت (جعل) المتعدية إلى مفعول واحد في القرآن الكريم هي بمعنى (خلق) في قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) فلماذا إذن لم يستعمل لفظ (خلق) للتعبير عن معنى الخلق؟! أي: لماذا عبَّر عن الخلق بلفظ الجعل؟ لا يستطيع كل أهل اللغة والنحو والتفسير وكل من قال بهذا التضمين الإجابة عن هذا السؤال إلاَّ بأحد أمرين، إمَّا أن يدعوا بأنَّ من الأنسب والأبلغ والأفصح والأحق أن يُعَبَّر عن المعنى بلفظه، إلاَّ أنَّ القرآن الكريم ألحن فعبَّر عن المعنى بغير لفظه ووضع اللفظ في غير موضعه، وهذا ما لا يجرؤ ولا يستطيع أحد أن يدعيه؛ لأنَّه ما من أحد يستطيع أن يثبت هذا الادعاء، وإمَّا أن يعترفوا ويقروا جميعًا بأنَّ هناك فرقًا في المعنى بين الجعل المتعدي إلى مفعول واحد والخلق، وأنَّ القرآن الكريم استعمل لفظ الجعل؛ لأنَّه أراد معناه، ولم يستعمل لفظ الخلق لأنَّه ما أراد
(1) ينظر: الوجوه والنظائر للعسكري ص 111 - 115 ووجوه القرآن للحيري ص 141 - 143 والوجوه والنظائر للدامغاني ص 156 - 157 ونزهة الأعين ص 90 - 91 ومنتخب قرة العيون ص 89 - 90 وبصائر ذوي التمييز 2/ 383 - 384