معناه، وعندئذ تبطل فكرة تضمين (جعل) معنى (خلق) ويقال الكلام نفسه في تضمينها معنى ألقى وغيرها من الأفعال، وهذا هو عين ما حصل في كل تضمين قيل به من دون استثناء في كتب اللغة والنحو
ومن حق أي باحث كان أن يسأل أيضًا الفريق الثاني أنَّه إذا كانت (جعل) في قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) هي بمعنى خلق، والتقدير: خلق الظلمات والنور، فلماذا إذن عبَّر عن الخلق بلفظ الجعل؟ لا يستطيع كل أصحاب كتب الوجوه الإجابة عن هذا السؤال إلاَّ بأحد أمرين، إمَّا أن يدعوا بأنَّ من الأنسب والأبلغ والأفصح والأحق أن يُعَبَّر عن المعنى بلفظه، إلاَّ أنَّ القرآن الكريم ألحن فعبَّر عن المعنى بغير لفظه ووضع اللفظ في غير موضعه، وهذا ما لا يجرؤ ولا يستطيع أحد أن يدعيه؛ لأنَّه ما من أحد يستطيع أن يثبت هذا الادعاء، وإمَّا أن يعترفوا ويقروا جميعًا بأنَّ هناك فرقًا في المعنى بين الجعل، والخلق، وأنَّ القرآن الكريم استعمل لفظ الجعل؛ لأنَّه أراد معناه، ولم يستعمل لفظ الخلق لأنَّه ما أراد معناه، وعندئذ تبطل فكرة تضمين (جعل) معنى (خلق) ويقال الكلام نفسه في تضمينها معاني الأفعال الباقية، وتبطل تبعًا لذلك كل وجوه (جعل) لأنَّها قامت على أساس باطل.
وهذا هو أيضًا عين ما حصل في كل وجه ذكره أهل الوجوه إلاَّ ما كان قائمًا على أساس اللفظ المشترك، وهي لا تتجاوز بضعة ألفاظ في كل كتب الوجوه.
ومن ذلك أيضًا (اتخذ) فقد تقدم أنَّها عند النحاة من أخوات ظنَّ تتعدى لمفعولين، إلاَّ أنَّهم لم يحددوا دلالتها، بل ضمنوها معنى صيَّر لتسويغ تعديها لمفعولين كقوله تعالى: (وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) {النساء: 125}