الصفحة 16 من 142

كل لفظ وقع موقع هذا المنصوب، وأنْ لا يلتفت إلى القضايا اللفظية، والجدير بالذكر أنَّ الاعتماد على المعنى هو المنهج الذي سار عليه النحاة في تحديد الإعراب، ويتضح منهجهم هذا في كثير من المسائل الإعرابية، فقد ذكر أبو علي النحوي أنَّه يُميَّز الفاعل من المفعول استنادًا إلى المعنى لا إلى اللفظ، فقال: (( جاز القلب والحمل على اللفظ اتكالًا على المعنى، ومن كلام العرب: أدخِلَ القبرَ زيدُ، وأُدخِلَ القبرُ زيدًا، وكُسيتِ الكعبةُ ثوبًا، وكُسِيَ ثوبُ الكعبةِ، وأُعطي زيدٌ درهمًا، وأُعطي درهمٌ زيدًا؛ لأنَّ السامع لا يتوهم أنَّ القبر يدخل زيدًا، ولا أنَّ الكعبة تكون كسوة للثوب، ومن ذلك: أدخلتُ القلنسوة رأسي، وأدخلتُ رأسي القلنسوة ) ) [1] ومما قالوه في هذا الباب: إنَّه قد سمع رفع المفعول ونصب الفاعل، حكوا: خرق الثوبُ المسمارَ، وكسر الزجاجُ الحجرَ، وأنَّه قد جاء في كلام العرب رفعهما معًا، أو نصبهما معًا، ومن شواهدهم في هذا الباب، قول الشاعر:

إنَّ مَن صاد عقْعقًا لَمشومُ ... كيف مَن صاد عقعقانِ وبومُ

والعقعق: نوع من الغربان، ذو لونين أسود وأبيض [2] إلاَّ أنَّ النحاة لم يعربوا الفاعل مفعولًا، والمفعول فاعلًا، على الرغم من أنَّ أحدهما لبس لباس الآخر من الناحية اللفظية، بل أعربوا المنصوب فاعلًا برغم نصبه وتأخره لدلالته على معنى الفاعلية، وأعربوا المرفوع مفعولًا برغم رفعه وتقدمه، لدلالته على معنى المفعولية، حتى ذكر السيوطي: (( والمبيح لذلك كله فهم المعنى ) ) [3]

(1) المسائل المشكلة ص 227 ..

(2) ينظر: مغني اللبيب 2/ 699 وهمع الهوامع 2/ 6 - 7.

(3) همع الهوامع 2/ 7 وينظر: شرح جمل الزجاجي لابن ععصفور 2/ 109.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت