الدليل السادس: الإحساس النحوي: من خلال تعلم التلاميذ والطلاب قواعد اللغة العربية، ومن خلال دراستهم للنحو سنة بعد سنة، ينشأ عندهم ما يمكن أنْ يسمى بالإحساس النحوي، من ذلك مثلًا أنَّه كثيرًا ما يقرأ أو يسمع مثل عبارة: يعرب كذا فاعلًا؛ لأنَّه قام بالفعل، ويعرب كذا مفعولًا به؛ لأنَّه وقع عليه فعل الفاعل، وهذه الكلمة مفعول معه؛ لأنَّها أفادت معنى المعية، وهذا الاسم يعرب حالًا؛ لأنَّه بتقدير: في حال كذا، فكثيرًا ما يقرأ، أو يسمع مثل هذه العبارات، وهو يدرس النحو، وكذلك عندما يصبح المتعلم معلمًا، فإنَّه يعلم غيره النحو بالطريقة التي تعلمها؛ فمن خلال هذه الممارسة النظرية والتطبيقية، يكتسب الدارس فطرة نحوية تمكنه من إدراك الإعراب الصحيح بمجرد قراءة تركيب الجملة أو سماعها، فقد سألت كثيرًا من هؤلاء الذين لا يزالون طلاب علم، أنَّه لو خُيِّرَ بين إعراب (صادقًا) مفعولًا به أو حالًا، في نحو: ظننت زيدًا صادقًا، فأي إعراب يختار؟ فقد فعلت فوجدتهم جميعهم يجيبون بالفطرة والبداهة النحوية أنَّه حال، بعد هذا أتساءل وأقول: بأيِّ وجه من وجوه المعنى، وبأيِّ إحساس نحوي يمنع أساطين النحو إعراب (خيرَ تجارة) التي هي صفة لـ (التقى) حالًا، ويصرون على إعرابها مفعولًا به؟! في نحو
حسبتُ التقى والجودَ خيرَ تجارة ... [1]
وبأيِّ وجه من وجوه المعنى، وبأيِّ إحساس نحوي، يُردُّ إعراب الجملة الفعلية (يموج في بعض) حالا، ويُصَرُّ على إعرابها مفعولا به، في قول الله تعالى:
(1) ينظر: شرح التصريح 2/ 190.