الصفحة 46 من 142

وقال الدكتور فاضل السامرائي: (( ويبدو أنَّ بين حسِب وظنَّ فرقًا، فإنَّ حسِب القلبي منقول من حسب الحسي الذي منه الحساب، ومنه حسَب الدراهم، أي: عدَّها، فإنَّ حسب في قولك حسِبتُ محمدًا، فيه معنى الحساب، أي: حسب ذلك وانتهى إلى ما انتهى إليه، وليس هذا الفعل مطابقًا للظن تمامًا، فهناك فرق بين قولك: تحسبهم جميعًا، وتظنهم جميعًا، فإنَّ قولك: تحسبهم جميعًا إنَّما يكون بعد مراقبة أحوالهم، فكأنَّك أجريت عملية حساب، فأدى حسابك إلى ذلك بخلاف قولك: أظنهم، فالحسبان قائم على الحساب والنظر العقلي، بخلاف الظن الذي يدخل الذهن ويلابسه لأدنى سبب ) ) [1]

نخلص من كل ما سبق ذكره أنَّ (حسب) كما استعملت لحساب الأمور الحسية استعملت لحساب الأمور القلبية، ولم تستعمل حسبَ في القرآن الكريم للرجحان أو للشك أو لليقين؛ لأنَّها وردت فيه وهي مسندة إلى الغائب أو المخاطَب، ولم ترد مسندة إلى ضمير المتكلم لمعرفة دلالتها عنده، والذي لاحظته أنَّ حسبَ استعملت في كل شواهدها الواردة في كتاب الله، فيما كان مخالفًا للحقيقة والواقع كقوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً) {النمل: 44} لذلك كثر ورودها في سياق الاستفهام الإنكاري، كقوله تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) {العنكبوت: 2} وقوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم) {البقرة: 213} وقوله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) {المؤمنون: 115} حتى قوله تعالى الموجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ

(1) معاني النحو 2/ 20 - 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت