إنَّ جعل الحال خبرًا لا إشكال فيه، وقد يحصل؛ لأنَّ كليهما من حيث المعنى والأصل من واد واحد، أمَّا إعراب الحال مفعولًا فلا يصح، وما أجمع عليه البصريون فيما تقدم ذكره باطل بالأدلة الآتية:
الدليل الأول: الحال والمفعول به بين اللفظ والمعنى: هذا الدليل منتزع مما تضمنه رد البصريين على الكوفيين، فقد قال أبو البركات بن الأنباري: (( ذهب الكوفيون إلى أنَّ خبر(كان) والمفعول الثاني لـ (ظننت) نصب على الحال، وذهب البصريون إلى أنَّ نصبهما نصب المفعول لا على الحال، أمَّا الكوفيون فاحتجوا بأنْ قالوا: فإنَّا ما وجدنا فعلًا ينصب مفعولًا هو الفاعل في المعنى إلاَّ الحال فكان حمله عليه أولى؛ ولأنَّه يحسن أنْ يقال فيه: كان زيد في حال كذا، وكذلك يحسن أيضًا في ظننتُ زيدًا قائمًا: ظننتُ زيدًا في حال كذا؛ فدل على أنَّه نصب على الحال، قالوا: ولا يجوز أنْ يقال: إنَّه لو كان نصبًا على الحال لما جاز أنْ يقع معرفة في نحو: كان زيد أخاك، وظننتُ عمرًا غلامك والحال لا تكون معرفة ... على أنَّه قد جاءت الحال معرفة في قولهم ... فأرسلها العراك ... وطلبت جَهدك وطاقتك، ورجع عودَه على بدئه ... وأمَّا البصريون فاحتجوا بأنْ قالوا: إنَّما قلنا: إنَّ نصبهما نصب المفعول لا على الحال لأنَّهما يقعان في نحو قولهم: كناهم ... وكذلك قالوا أيضًا: ظننتُه إياه، والضمائر لا تقع أحوالًا بحال، فَعُدِمَ شروط الحال فيهما، فوجب أنْ ينتصبا نصب المفعول ... أمَّا الجواب عن كلمات الكوفيين ... إنَّه يحسن أنْ يقال: كان زيد في حال كذا، وكذلك يحسن في ظننتُ زيدًا قائمًا، ظننت زيدًا في حال كذا، تدل على أنَّ نصبهما نصب الحال، قلنا هذا إنَّما يدل على الحال مع وجود شروط الحال، ولم يوجد ذلك؛ لأنَّ من شروط الحال أنْ تأتي بعد