الصفحة 56 من 142

خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) {الأعراف: 189} [1] وجعل من معاني الجعل: إيجاد شيء من شيء، كقوله تعالى: (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) {النحل: 72} [2] فجعلَ الخلقَ والجعلَ بمعنى واحد، والحقيقة أنَ الجعل لا يعني الإيجاد والإنشاء بل التحويل والتصيير فقوله تعالى: (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) يفيد باستعمال الجعل أنَّ (أَزْوَاجًا) هي بعض (أَنفُسِكُمْ) والمعنى: صيَّر بعض أنفسكم أزواجًا، فتكون (مِن) تبعيضية والمعنى يختلف باستعمال الخلق، كقوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) {الروم: 21} فالآية باستعمال خَلَقَ تعني أنَّه أوجد وأنشأ أزواجًا من أنفسكم من دون أن تكون هذه الأزواج هي بعض أنفسكم، بل هي من ذريتكم، فتكون (مِن) للابتداء وليست تبعيضية.

وكذلك قوله تعالى: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ) {المائدة: 60} والمعنى باستعمال الجعل أنَّه سبحانه وتعالى صيَّر بعض من لعنهم الله قردة وخنازير، فتكون (مِن) تبعيضية، ولو استعمل الخلق، وقيل: وخلق منهم القردة والخنازير، لكان المعنى أنَّه سبحانه أوجد وأنشأ وخلق ممن لعنهم الله القردة والخنازير، أي: خلق أولادهم قردة وخنازير، فيكون هذا المسخ بدأ ممن لعنهم، من دون أن يشمل ويعنى هذا المسخ أحدًا منهم، بل لشمل وعنى نسلهم وذريتهم، فيكون الله

(1) ينظر: المفردات ص 164 وعمدة الحفاظ 1/ 527 وبصائر ذوي التمييز 2/ 566

(2) ينظر: المفردات ص 99 وعمدة الحفاظ 1/ 328 وبصائر ذوي التمييز 2/ 383.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت