الصفحة 57 من 142

سبحانه أخذ الذرية بجريرة آبائهم وأجدادهم، وهذا ما تنزه الله عنه، فتكون (مِن) للتبعيض لا للابتداء، وكذلك قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) {الأعراف: 189} والنفس الواحدة هي آدم عليه السلام، والمعنى باستعمال الجعل: خلقكم من نفس واحدة وصيَّر من هذه النفس حواء، أي: صيَّر بعضها زوجًا لها، فتكون حواء جزءًا وبعضًا وبضعة من آدم، فكأنَّه أنجبها، فتكون (مِن) تبعيضية، والمعنى يختلف باستعمال الخلق في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) {النساء: 1} والمعنى: خلقكم من نفس واحدة، وخلق من هذه النفس زوجها، أي: خلق آدم من طين وخلق حواء من آدم، و (مِن) ابتدائية لا تبعيضية، والدليل على ذلك قوله تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الأنسَانِ مِن طِينٍ) {السجدة: 7} وكما بدأ خلق آدم من طين بدأ خلق حواء من آدم، فلأنَّ جَعلَ تفيد معنى التحويل والتصيير فكل (مِن) بعدها تكون للتبعيض، ولأنَّ خلَقَ تفيد معنى الإنشاء فكل (مِن) بعدها تكون للابتداء.

جواز جعل (جعل) المتعدية لمفعولين متعدية لمفعول واحد: جعل في الحقيقة تتعدى لواحد، أمَّا الثاني فهو منصوب على الحال، والدليل على ذلك أنَّهم أجازوا في إعراب جعل المتعدية لاثنين أن تكون متعدية لواحد بعد إعراب المنصوب الثاني حالًا لا مفعولًا ثانيًا، فقد أجازوا في (جعل) في نحو: جعلناهم موالي، أن تكون متعدية لمفعولين هما: الضمير (هم) ، وموالي، وأن تكون متعدية لمفعول واحد، وهو الضمير المذكور، وموالي حال [1]

(1) ينظر: الدر المصون في إعراب الآية 33 من سورة النساء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت