وقال المحقق محمد محيي الدين عبد الحميد (( الشاهد فيه قوله(تركتُه أخا القوم) حيث نصب فيه ترك مفعولين؛ لأنَّه في معنى فعل التصيير )) [1] وقال الدكتور فاضل السامرائي: (( ترك: وأصل ترك كونه بمعنى: طرح وخلَّى، فلها مفعول واحد، فضمِّن معنى صيَّر فتعدى لمفعولين، نحو(وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) {الكهف: 99} قال الشاعر:
وربَّيتُه حتى إذا ما تركتُه ... أخا القوم واستغنى عن المسح شاربُهُ )) [2]
وترك: هي بمعنى التخلي سواء تعدَّت لواحد أم لاثنين، وهذا هو معناها في الآية والبيت، فالآية ليست بمعنى: صيَّرهم في ظلمات، وإنَّما هي بمعنى تركهم على هذه الحالة، وكذلك قول الشاعر إنَّما معناه ربَّيته حتى إذا أوصلتْه تربيتي إلى أن يكون أخا القوم ويعتمد على نفسه تركته وتخليتُ عنه وهو في هذه الحال، فثمة فرق أساسي بين الترك والتصيير، هو أنَّه في التصيير أثر يحدثه الفاعل في التغيير والتحويل، وليس في فاعل الترك أثر في ذلك، وإنَّما مجرد ترك المتروك على حاله، فقولك: صيَّرتُ أخي مريضًا، يعني بكل وضوح أنَّك أنت الذي أحدثتَ فيه المرض، وحوَّلته من سليم إلى مريض، وليس على هذا المعنى قولك: تركتُ أخي مريضًا؛ فأنت لم تحدث فيه المرض، ولم تكن راغبًا في ذلك، بل من المؤكد كنتَ تودُّ لو تركته وهو سليم.
وكيف يصح جعل الترك بمعنى التصيير في نحو قوله تعالى: (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ
(1) شرح ابن عقيل 1/ 429 هامش الصفحة المذكورة.
(2) معاني النحو 2/ 27.