فإنَّه مما يجب التنويه به أن شعر الشعراء وكلام البشر بصفة عامة كائنًا من كانوا، ومهما بلغت فصاحتهم إذا جاز أن يعتمد عليه في تقعيد القواعد العامة فإنَّه يجب أن لا يُعتمد عليه في تقعيد القواعد الخاصة لا في مجال اللغة ولا في مجال النحو، لأنَّ البشر في كلامهم لا يعنون بالمعاني الخاصة؛ بل كثيرًا ما يضعون الألفاظ بعضها مكان بعض ما تقاربت معانيها من دون أن يُعنَوا بالفروق المعنوية الخاصة بينها، فلا يهمهم مثلًا أن يضعوا لفظ عدَّ مكان ظنَّ، أو ظنَّ مكان عدَّ، أو أن يضعوا لفظ علمَ مكان حسبَ، أو حسب مكان علمَ، كقول لبيد: حسبتُ التقى والجود خير تجارة، فهذا كلام البشر، ولا سيما إذا كانت هذه القضية تتعلق بالوزن الشعري، فالشاعر مهما بلغت فصاحته وحرصه على توخي الفصاحة، فإنَّه كثيرًا بل دائمًا ما يضحي بالكلام الأفصح وبالتركيب الأدق والأبلغ من أجل أن لا يكسر وزن بيته الشعري كقول الشاعر المذكور:
فردَّ شعورهنَّ السود بيضًا ... وردَّ وجوهنَّ البيض سودًا
فالأفصح والأقرب إلى مضمون معنى البيت استعمال صيَّر لا ردَّ؛ لأنَّ صيَّر تعني تحويل الشيء من حالة إلى حالة، أمَّا ردَّ ففيها معنى إرجاع الشيء إلى أصله؛ وليس هذا مكانها، وإنَّما هذا مكان صيَّر، أي: من الأفصح والأبلغ إمَّا أن يقال
فصيَّر شعورهنَّ السود بيضًا ... وصيَّر وجوهنَّ البيض سودًا
أو أن يقال: فردَّ شعورهنَّ البيض سودًا ... وردَّ وجوهنَّ السود بيضًا
وقد يكون الشاعر يعلم بهذه الحقيقة اللغوية، وكان يعلم أنَّه من الأفصح أن يستعمل صيَّر لا ردَّ، لكنَّه اضطر إلى مخالفة استعمال التركيب الأدق والأبلغ؛