لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) {الأعراف: 16} قال: (لأَقْعُدَنَّ) ولم يقل: لأجلسنَّ، ولأنَّ الجلوس كان لما تقدم ذكره، فإنَّ الغرض منه طلب الراحة والاسترخاء، والمسامرة الأسرية والجماعية، والاستماع لأحاديث الآخرين، فهو حالة عامة، لذلك استعمل المجالس من دون المقاعد في قوله تعالى: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا) ويقال: قعد للجهاد، ولا يقال جلس للجهاد، والقعود أخص من الجلوس، فهناك مجلس الأمن، ومجلس الأمة، ومجلس الشورى، وفي كل مجلس مقاعد، قد خُصِّصَ كل مقعد فيه لعضو من أعضائه، ومن هنا كان القعود أشد تمكنًا من الجلوس، واستعمل للحالات المهمة والخاصة؛ لذلك استعمل المقاعد من دون المجالس في قوله تعالى: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) {آل عمران: 121} وقوله تعالى: (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الأنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا) {الجن: 9}
فقد ظهر أنَّ دلالة القعود في القرآن الكريم أهم من دلالة الجلوس؛ لذلك استعمل القعود في مواضع كثيرة، بينما استعمل الجلوس في موضع واحد، هو الموضع المذكور: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا)
وقال محقق الفروق اللغوية للعسكري: (( نلاحظ في فروق العسكري شيئًا من التعسف والتكلف ومحاولة التماس الفروق حتى وإن كانت ضعيفة، أو ليست بثبت، ويبدو هذا الأمر واضحًا في طائفة من الألفاظ التي لم يستطع التفرقة بينها، أو وجد صعوبة فيها، كما يبدو هذا أيضًا في تردده في القول بالفروق بين جملة من الألفاظ، وتجويزه لأن تكون بمعنى واحد على الرغم مما ذكره من فروق بينها، كما في تفرقته بين النعت والصفة، والختم والرسم،