وهذا تعليل لفظي لا وجود له في لغة القرآن الكريم، كما أنَّه تعليل واهٍ جدَّا؛ لأنَّه لو صحَّ ما زعمه لكان يمكن تجنُّب هذا التكرير بحذف أحد التمييزين، وكثيرًا ما حُذِفَ تمييز العدد في القرآن الكريم، فيقال مثلًا: ألف سنة إلاَّ خمسينًا، أو ألفًا إلاَّ خمسين سنة، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى فإنَّه لا بدَّ من أن يكون لاستعمال (عامًا) بدلًا من سنة سر، ولمعنى مقصود وحكمة بليغة، جهلها الزمخشري، ومن قبله ومن جاء من بعده، وظل هذا السر غير مصرح به، حتى صرح به الحلبي بقوله المذكور: (( في كون المستثنى منه بلفظ السنة، والمستثنى بلفظ العام لطيفة حسنة، وهي أنَّ هذه الخمسين بقاؤه بعد هلاك قومه، فهي أعوام خير حيث هلك الكفرة المتمردة ) ) [1] وبقوله: (( وقد روعيت هنا نكتة لطيفة، وهو أنَّه غاير بين تمييزي العددين؛ فقال في الأَوَّل(سنة) ، وفي الثاني (عامًا) لئلاَّ يثقل اللفظ، ثمَّ إنَّه خص لفظ العام بالخمسين إيذانًا بأنَّ نبي الله، صلى الله عليه وسلم، لمَّا استراح منهم بقي في زمن حسن؛ والعرب تُعًبِّر عن الخصب بالعام، وعن الجدب بالسنة )) [2] لذلك قال، سبحانه: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ {46} قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ {47} ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ {48} ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) {يوسف: 46 - 49}
(1) عمدة الحفاظ 3/ 143.
(2) الدر المصون 9/ 13 ..