ومما احتج به البصريون أنّ الحال فضلة يتم الكلام بدونها، وليس كذلك المنصوب الثاني لـ (ظنَّ) [1] .
إذا لم يجز البصريون جعل هذا المنصوب حالًا؛ لكون الحال فضلة، وجب عليهم كذلك أنْ لا يجيزوا جعله مفعولًا؛ لأنَّ المفعول به أيضًا كالحال يعد عندهم فضلة، هذا من وجه، ومن وجه آخر فإنَّ هذا الزعم ليس صحيحًا حتى عقب بعض النحاة على ذلك بقوله: (( ليس هذا شأن الحال دائمًا، وإنْ كان بعض الأماكن لا يتم الكلام بدونه، نحو قوله تعالى:(وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ) )) [2] فالحال (لاعبين) في الآية لا يمكن الاستغناء عنها بأيِّ حال من الأحوال؛ لأنَّه بحذفها ينقلب معنى الآية من الإثبات إلى النفي.
والحقيقة أنَّ الحال لا يؤتى بها في الكلام ليستغنى عنها، بل لا ينشئ المتكلم الكلام إلاَّ من أجلها نحو قولك: ضربتُ زيدًا مسيئًا، فأنتُ لم تقل: ضربتُ زيدًا إلاَّ من أجل أنْ تقيد ضربك لزيد بإساءته، فلولا التصريح بإساءته لما وجدتَ حاجة في أنْ تقول: ضربتُ زيدًا، وكذلك إذا قلنا: أعجبني زيد صادقًا، فقد قيدنا الإعجاب بزيد بصدقه، بل لولا حصول الصدق ما حصل إعجاب.
الدليل الثاني: معنى الحال ومعنى الخبر: وهذا الدليل منتزع أيضًا من تعبير النحاة عن هذا المنصوب، فقد قالوا بما يدل على حاليته لا على مفعوليته،
(1) ينظر: همع الهوامع 1/ 547؛ وشرح التصريح 2/ 181.
(2) شرح التصريح 2/ 184.