فهرس الكتاب
المشيئة والإرادة من الله: ذهب أهل اللغة إلى أنَّ المشيئة تعني الإرادة، ففي نحو قولك: شاء الله كذا، معناه عندهم: أراد الله كذا، وليس الأمر ما ذهبوا إليه، بل المعنى في الحقيقة: أوجد الله كذا، وهذا ما صرح به الراغب بقوله المذكور (( فالمشيئة من الله تعالى هي الإيجاد، ومن الناس هي الإصابة ) )ولذا فإنَّ قوله صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا يعني: ما أراده الله كان، وما لم يرده لم يكن، بل المعنى: ما أحدثه الله كان، وما لم يحدثه لم يكن، أو ما أنشأه الله كان، وما لم ينشئه لم يكن، وقد أجمعوا أيضًا على أنَّ الشيء كالمشيئة مصدر شاء، فيكون معناه في الأصل والحقيقة وبعد التصرف بصيغة الفعل: ما شيَّأه الله كان وما لم يُشَيِّئْه لم يكن، بمعنى: ما جعله الله شيئًا كان، وما لم يجعله شيئًا لم يكن، وبعد حذف ما جاز حذفه لدلالة السياق عليه، يكون التقدير: ما شيَّأَ الله كان وما لم يُشَيِّئْ لم يكن، وبعد إرجاع الفعل إلى صيغته التي كان عليها، يصبح التقدير: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهو التركيب الذي جاء في الحديث، وهذا القول الذي جاء في الحديث يقرر حقيقة واقعة أنَّ الإنسان لا يمكن له أن يُشَيِّئَ أمرًا إلاَّ إذا كان هذا الأمر قد شَيَّأه الله سبحانه، لكنه يمكن أن يريد أمرًا لم يرده الله، وهذه الإرادة الممكنة من الإنسان على قسمين، الأول: أن يريد الشيءَ ولا يستطيع فعله، كأن يريد الخلود في الدنيا، لكنه لا يستطيع أن يُخَلِّد نفسه؛ لأنَّ الخلود لم يشأْه الله، وما لم يشأ لم يكن، والثاني: أن يريد الشيءَ ويفعله، كأن يريد الزنا ويزني؛ لأنَّ الزنا مما شاءه الله، أي: مما جعله الله شيئًا، وما شاء الله كان، فالإنسان وأفعاله جميعها خيرها وشرها من خلق الله، فالإنسان لا يخلق