فهرس الكتاب
أفعاله، وإنَّما يكون السبب في حدوثها، لذلك يثاب على فعل خيرها، ويعاقب على فعل شرها.
فالمشيئة في قوله صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، تشمل أمور الخير والشر جميعًا، لأنَّ هذا هو الكائن، فكما شاء الله الخير شاء الشر، لكنه سبحانه شاء الأولَ وأراده لعباده، وشاء الثاني ولم يرده لعباده، فشاء ما شاء وأراد ما أراد لاختبار الناس ليميز مؤمنهم من كافرهم، فالله سبحانه مثلًا شاء العدل والعفة والأمانة وأرادها، وشاء الظلم، والزنا، والخيانة، لكنه ما أرادها، وشاء اليسر وأراده، وشاء العسر ولم يرده؛ لذلك قال سبحانه: (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) {البقرة: 185} والمعنى: يريد الله بكم اليسر الذي شاءه، وأراده، ولا يريد بكم العسر الذي شاءه، وما أراده، وهذه إرادة ربانية تكون بعد المشيئة، وهناك إرادة ثانية تكون قبل المشيئة وهي التي بها شاء ما شاء، كما جاء في قوله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) {النحل: 40} وقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) {يس: 82}
فالفرق كما قلنا بين المشيئة والإرادة جلي وأساسي، فكيف يصح مثلاَّ أن نجعل قوله تعالى: (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ) بمعنى: وما تريدون إلاَّ أن يريد الله؟! لأنَّ الإنسان يمكن له أن يريد أمورًا كثيرة، وإن كان الله سبحانه لا يريدها؛ فالإرادة عمل قلبي، وليس العبرة بما يريد، وإنَّما بفعل ما يريد، أي: العبرة بما يشاؤه لا بما يريده فيكون قوله تعالى: (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ) معناه: وما تحدثون شيئًا إلاَّ أن يشاءه اللهُ، أو: وما تنشئون شيئًا إلاَّ أن ينشئه اللهُ، ومعناه في الأصل بعد التصرف بصيغة الفعل: وما تُشَيِّئون