والأحاديث المُشار إليها تُؤكِّد ما جاء في هؤلاء الآيِ مِن وَصْف الله بالغضب، وإنَّ هذا الغضب يَحْدُث في وقت دُون وقت، ومن ذلك ما جاء في حديث الشَّفاعة الطَّويل، وهو يُخْبِر عمَّا يقوله الأنبياء اعتذارًا للنَّاس عندما يتقدَّمون إليهم لطلب الشفاعة منهم، وهم: آدَمُ أبو البَشَر، ونُوحٌ، وإبراهيم، وموسى، وعيسى - عليهم السَّلام - يُخْبِر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ كلَّ واحدٍ منهم يقول: (( إنَّ ربِّي غَضِب غضَبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثلَه، اذهبوا إلى غيري ) )، إلى آخر الحديث الطويل [1] .
والحديث يدلُّ دلالة واضحة على أنَّ إثبات صفة الغضب من دين الرُّسل جميعًا؛ لأنَّ الشرائع كلَّها متَّفِقة في الأصول، بَيْدَ أنَّ الله جعل لكلِّ واحد منهم شِرْعة ومنهاجًا، ومحَلُّ الشَّاهد من الحديث: (( إن ربي قد غضب اليوم ) )، واللَّفظ صريح في أنه قد يَحْدث في ذلك اليوم غضَبٌ لم يَحْدث مثله قبل ذلك، كما لا يحدث بعده مثله.
إلى أن قال:
"استنادًا إلى هذه النُّصوص وغيرها من نصوص الكتاب والسُّنة التي آثَرْنا عدم ذِكْرِها؛ رغبةً في الإيجاز - يُؤْمِن السَّلف وجمهور الأئمَّة بهذه الصِّفة، ويُبْقونها على ظاهرها، الظَّاهِر الذي يليق بالله؛ إيمانًا منهم بأنَّ النُّصوص لا تدلُّ بظاهرها إلاَّ على ما يليق بالله - خِلافَ ما يَزْعمه الزَّاعمون - أيْ: إنَّهم لا يُؤوِّلونه كما أوَّلَه غيرهم - بيدَ أنَّ إثباتهم لا يَصِل بهم إلى حَدِّ التَّشبيه والتمثيل - كما قلنا في غير موضع من الرسالة."
وأما الخلَف فلم يُوَفَّقوا في هذه الصِّفة، كما لم يُحالِفْهم التَّوفيق أيضًا في جميع الصِّفات على اختلاف مشاربهم، فزَعَموا: أنَّه ما ثمَّة غضب، وإنما المراد بالغضب المذكور في النُّصوص لازِمُ الغضب، وهو إرادة الانتقام، وعَلَّلوا لما ذهبوا إليه بقولهم: إنَّ أصل الغضب غلَيانُ دَمِ القلب عند إرادة الانتقام، وذلك مستحيلٌ على الله - تعالى - أو بعبارة أخرى: إنَّ الغضب الانفعال والتغَيُّر من حالٍ إلى حال، وهو أمر لا يليق بالله، إلى آخِرِ تلك التَّعليلات والأعذار غير المقبولة لدى غيرهم من أهل السُّنَّة والجماعة.
(1) متفق عليه، من حديث أبي هريرة.
أخرجه البخاري في مواضع من"صحيحه"، منها: (كتاب التفسير، باب: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3] .