ولِدَفْعِ هذه الشُّبهة التي نسَجُوها من خيوط بيت العنكبوت، نقول هنا ما قُلْناه في رَدِّ شبهاتهم السابقة حول الصِّفات التي تحدَّثنا عنها سابقًا: وهو إنَّ لوازم صفات المخلوقين التي ذكروها لا تلزم صفات الخالق؛ إذْ لا مناسبة بين صفات الخالق والمخلوق حتى تُقاس صفاته سبحانه على صفاتهم، وكما أنَّهم أثبتوا ذاتَ الباري دون تفكير في لوازم صفات المخلوقين، يلزمهم إثبات صفاته ذاتية أو فعليَّة دون تفكير في لوازم صفات المخلوقين، وهذا الإلزام يلحق، أو يلزم جميع النُّفَاة: المعتزلة، والأشاعرة، وأتباعهم"؛ اهـ."
قال الحافظ - رحمه الله - في"فتح الباري"، 9/ 320 - لَمَّا شرَح قولَه - صلى الله عليه وسلم: (( ما مِن أحد أَغْيَر من الله؛ مِن أجْلِ ذلك حرَّم الفواحش، وما أحد أحبَّ إليه المدح من الله ) ) [1] :
"قال عياض: ويحتمل أن تكون الغيرة في حقِّ الله الإشارةَ إلى تغَيُّر حال فاعل ذلك، وقيل: الغيرة في الأصل الحَمِيَّة والأَنَفة، وهو تفسير بلازم التغيُّر، فيرجع إلى الغضب، وقد نَسَب الله - تعالى - إلى نفسه في كتابه الغضب والرِّضا، قال ابن العربي: التغَيُّر مُحال على الله بالدلالة القطعية، فيجب تأويله بلازمه كالوعيد، وإيقاع العقوبة بالفاعل، ونحو ذلك"؛ اهـ.
والإجابة عن هذه الشبهة هو نفسه ما أُجِيب به عن صفة"الغضب"التي مَرَّت بنا آنفًا.
ويُضاف عليه قول شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله - في"مجموع الفتاوى"6/ 119:
"ونحن نعلم بالاضطرار أنَّا إذا قَدَّرْنا موجودَيْن: أحدهما عنده قوَّة يَدْفع بها الفساد، والآخَر لا فرق عنده بين الصلاح والفساد، كان الذي عنده القوَّة أكمل."
ولِهَذا يُذَمُّ مَن لا غيرة له على الفواحش كالدَّيُّوث، ويُذمُّ مَن لا حمية له يَدْفع بها الظُّلم عن المظلومين، ويُمْدَح الذي له غيرة يَدْفع بها الفواحش، وحَمِيَّة يَدفع بها الظُّلم؛ ويعْلَم أنَّ هذا أكمل من هذا.
ولهذا وَصَف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الرَّبَّ - عزَّ وجلَّ - بالأكملية في ذلك،
(1) متَّفَق عليه، من حديث عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - أخرجه البخاري في غير موضع من"صحيحه"، منها: (كتاب تفسير القرآن، باب: قوله: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151] ، ح 4634) .
ومسلم في"صحيحه"، (كتاب التوبة، باب: غيرة الله - تعالى - وتحريم الفواحش، ح 32، 33، 34، 35) .