الهداية والإرشاد تلي مرتبة الأنبياء )) [1] فالآمرون بالعدل هم الحكماء الذين لم تخل منهم المجتمعات الإنسانية منذ بدء الخليقة قال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 116، 117] القرون، هي الأجيال والشعوب، أولو بقية وأصحاب بقية من دين وتقوى وعقل وحكمة )) .
وجاءوا تفسير (( المنار ) )أن المراد من التخصيص في الآية الأولى النفي، أي أنه كان ينبغي أن يقوم في قرون الذين كانوا قبل ظهور الإسلام بالإصلاح العام أصحاب بقية من دين موسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء - عليهم السلام -، أو حكماء العقلاء الذين فسر بهم الآمرون بالعدل في قوله: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} [آل عمران: 21] [2] .
وقدا أعطى الشيخ محمد عبده الحكمة معنى التدبر والتعقل، مع توضيح الصبغة العملية لاتصالها بالفقه، وإلى هذا المعنى أيضًا يذهب الإمام عبد الحميد بن باديس فيرى أن الحكمة هي (( العلم الصحيح الثابت المتمر للعمل المتقن المبني على ذلك العلم ) ) [3] .
ووردت كلمة الحكمة في موضع آخر بمعنى فقه مقاصد الكتاب وأسراره ومعرفة مجال التطبيق والتنفيذ في المجتمعات البشرية على مدى العصور، وهى بهذا المغزى أكمل وأشمل من الفلسفة قال تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء: 113] [4] . كما يتضح الاختلاف بين الفلسفة والحكمة بأن الأولى لم يستجب لها في الزمن الطويل إلا قليل من طلاب الفلسفة؛ إذ لا تتمتع الفلسفة بالهداية التى يتمتع بها الوحي من
(1) تفسير المنار ج 3 ص 262 - 263.
(2) تفسير المنار ج 9 ص 21 - دار المنار 1367 هـ.
(3) ابن باديس: حياته وآراؤه ج 1 ص 183 - 279.
(4) تفسير المنار ج 4 ص 402.