السلطان على القلوب والأرواح [1] . وهذا يتضح من دعوة خاتم الأنبياء عليه الصلاة السلام - فضلًا عن تأييد الوحي - بأنها تتميز بأركان ثلاثة كما يتبين من قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] .
فجمعت الآية بين الوسائل التى يمكن بها الإقناع والإرشاد، فلا اعتماد على العقل وحده والاكتفاء بالحث على النظر العقلي وهي من سمات الخاصة وإنما ينصرف معنى الحكمة في الآية إلى ما (( يدعي به العقلاء وأهل النظر من البراهين والحجج ) )وأضيف إليها الموعظة أي (( ما يدعى به العوام والسذج ) )، ثم الجدل بالتى هي أحسن وهو منهج الدعوة (( اللمتوسطين الذين لم يرتقوا إلى الاستعداد لطلب الحكمة ولا ينقادون إلى الموعظة بسهولة ) ) [2] .
وتفسير الحكمة بالنظر والعمل لا يتعارض مع القائلين بأن معناها (( السنة ) )التي فسرها بها كثيرون، ومنهم الإمام الشافعي، لأن السنة هي المفصلة لكتاب الله تعالى وهي الموضحة للأركان العملية للإسلام، وعن مالك أنها - أي الحكمة - (( معرفة الدين والفقه فيه والاتباع له ) ) [3] .
وقيل أيضا بأن الحكمة هي"تهذيب الأخلاق" [4] .
ويرى الراغب الأصفهاني أن الحكمة هي أشرف منازل العلم، مفسرًا لقوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129] حيث يتقيد بترتيب الآية ومطابقتها في الوقت نفسه للمنهج الذي اتبعه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد أتى - بعد إعلانه النبوة - بالآيات الدالة على نبوته، ثم أخذ في تعليمهم حقائق الكناب لا ألفاظه"ثم بتعليمهم الكتاب يوصلهم إلى إفادة الحكمة"
(1) تفسير المنار ج 4 ص 409.
(2) تفسير المنار ج 3 ص 263.
(3) تفسير القاسمي ج 2 ص 259.
(4) تفسير القاسمى ج 3 ص 846.