وللإنسان سعادات [1] أبيحت له في الدنيا وهي النعم المذكورة في قوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] ولكن الفرق بين النعم الدنيوية والأخروية هو أن الأولى تبيد بينما الثانية دائمة لا تبيد.
والنعم الدنيوية تكون نعمة وسعادة إذا تناولها الناس على الوجه الذي جعل الله لهم فأصبحت لهم نعمة وسعادة وهم الموصوفون بقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: 30] .
وهناك فريق آخر ركنوا إليها فأصبحت عليهم نقمة فتعذبوا بها عاجلًا وآجلًا وهم الموصوفون بقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 55] [2] .
واللذات الأخروية لا تدرك بالعقل في هذه الدنيا لأنه يقصر عن معرفتها، ولهذا قد قرب الله سبحانه تلك اللذات في الأذهان فشبهها لهم بأنواع ما تدركه حواسهم فقال تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} [محمد: 15] . وقوله عز وجل في أول هذه الآية {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} [الرعد: 35] يدل على أن ذلك تصوير وعلى سبيل التشبيه [3] .
ولئن كان الموت هو الذريعة إلى السعادة الكبرى، وإن الإنسان لن يطلع على سعادة الآخرة إلا بعد مفارقته الهيكل الإنساني، إلا أن بوسعه قبل مفارقته لهذا الهيكل أن يزيل الأمراض النفسانية
(1) ونلاحظ أن التصور الإسلامي للدنيا والآخرة هو القاسم المشترك بين علماء الأخلاق، فانظر مثلًا قول ابن حبان (وأن الحر حق الحر- من أعتقته الأخلاق الجميلة، كما أن أسوأ العبيد من استعبدته الأخلاق الدنية ومن أفضل الزاد في المعاد اعتقاد المحامد الباقية، ومن لزم معالي الأخلاق أنتج له سلوكها فرحًا تطير بالسرور) ولا حظ أيضًا مدلولات - الحرية - المحامد الباقية- الأخلاق كتاب (روضة العقلاء ونزهة الفضلاء) ص 252 - 253 تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. ط دار الكتب العلمية- بيروت 1395 هـ- 1975 م.
(2) تفصيل النشأتين ص 35 - 36.
(3) نفسه ص 37.